د. سمير صالحة تلفزيون سوريا

هل الصدام التركي الإسرائيلي في سوريا قادم فعلاً؟ أم أن أنقرة تقف فعليًا أمام مشروع أميركي بواجهة إسرائيلية؟ وهل تسمح واشنطن بتحول هذا الاشتباك المحتمل إلى أزمة تركيةأميركية مفتوحة؟

في ساحة معقدة كالساحة السورية، لا تُقاس التحالفات بما يُقال، بل بما يُنفّذ على الأرض. وبين خرائط الاشتباك المتداخلة، تتقاطع مشاريع النفوذ بين ثلاثي غير متجانس: تركيا، إسرائيل، والولايات المتحدة. وإذا كان التصعيد الإسرائيلي في سوريا يبدو وكأنه استهداف مباشر لنفوذ أنقرة، فهل يُنفّذ بقرار من تل أبيب وحدها، أم بإيعاز أميركي ضمني أو صمتٍ متعمد؟

يقول المنطق إنه طالما تتمسك تل أبيب بسياسات التوتير والتصعيد في سوريا، وطالما اختارت أنقرة الاصطفاف استراتيجيًا إلى جانب السلطة السياسية في دمشق، والمشاركة في عملية بناء الدولة الجديدة، فإن الغارات الإسرائيلية المتكررة التي تستهدف قلب هذا المشروع لا يمكن أن تمرّ من دون تبعات. المواجهة تقترب على حساب انعدام مؤشرات الرغبة في الحوار والتفاهم .

كيف تصمت أنقرة أمام هذا الاستهداف المباشر لمشروع تعتبر نفسها شريكة فيه؟ ولماذا تستمر الاعتداءات الإسرائيلية رغم إشارات الانفتاح التي أرسلتها دمشق لتل أبيب، سواء عبر وسطاء أو بشكل مباشر؟

تسود في أنقرة قناعة بأن إسرائيل، التي تدرك صعوبة الدخول في مواجهة مباشرة مع تركيا في سوريا، تدفع واشنطن للقيام بهذه المهمة، سواء عبر التصعيد السياسي، أو من خلال إعادة هندسة التوازنات الميدانية بما يُفرغ الحضور التركي من مضمونه .

تفضل تل أبيب، كما تراها النخب التركية دائمًا، خوض معاركها بالوكالة عندما تشعر بأن كلفة المواجهة المباشرة قد تكون باهظة. لذلك، فهي تتقن فنّ دفع الحلفاء لا سيما واشنطن إلى الدخول في اشتباكات محسوبة نيابة عنها .

ترى أنقرة في صمت واشنطن تشجيعًا ضمنيًا على التصعيد، لا حيادًا سياسيًا. وهذا ما يدفع إسرائيل للوثوق بقدرات أوراق الضغط الأميركية التي تملكها لتطويق أنقرة من دون الحاجة إلى صدام مباشر معها. هذا إلى جانب التلويح اليومي بورقة “الأقليات” التي هي بالنسبة لتل أبيب مجرد رأس جبل الجليد: الدروز في الجنوب، العلويون في الساحل، والأكراد في الشمال الشرقي، جميعهم أدوات تُوظّف في مشروع إسرائيلي أوسع يسعى لتحويل سوريا إلى بركان جاهز للانفجار، لكن بالشروط والمعايير الإسرائيلية: اتفاقات بلا تنازلات، تطبيع بلا مقابل، وهيمنة بلا تكلفة .

إسرائيل، كعادتها، لا تكتفي بالمراقبة، بل تتغذى على الفوضى. تسعى لاختراق ما تبقى من بنى الدولة، لا لترميمها بل لتفكيكها. لا تبحث عن شراكة، بل عن صيغ استسلام جديدة تُفرض ولا تُناقش .

في قلب هذا المشهد، يستقوي نتنياهو، “الديناصور المعولم”، بشبكات نفوذ لا وطن لها ولا حدود، مستعرضًا عضلاته فوق جغرافيا مُنهَكة . هو ليس رجل تسويات بل مهندس اختراقات زاحفة. لا يطرق الأبواب، بل يكسر الجدران، ويدخل من ثغرات الصمت الإقليمي .

وسط هذا كله، تزداد قناعة أنقرة بأن الصدام مع إسرائيل لم يعد احتمالاً مستبعدًا. صحيح أن واشنطن تلعب دور “مانع الاشتباك” بين اثنين من حلفائها الإقليميين، لكن إلى متى؟ وهل تملك فعلاً القدرة أو الإرادة أو الرغبة للعمل على ضبط الإيقاع بين شريكيها؟

في الواقع، تبقى سوريا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ليس فقط بين أطراف محلية، بل بين قوى إقليمية ودولية. والمقلق أن الولايات المتحدة قد تكون تراهن كما في جنوب القوقاز على صدام محدود بين تركيا وإسرائيل، يُبقي الطرفين تحت المظلة الأميركية، ويعيد خلط الأوراق بطريقة تخدم هيمنة واشنطن .

تقرأ أنقرة تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك، لا كمبادرة لحل، بل كمخطط محكم لإعادة ترتيب خريطة النفوذ، على حساب كل من تركيا وسوريا. فما يقوله باراك، وتفعله إسرائيل يوميًا عبر اعتداءاتها، لا يمكن فصله عن صمت واشنطن المدروس، والذي يبدو أقرب إلى تشجيع ضمني على تفجير صراع يمكن للولايات المتحدة إدارته أو الاستثمار فيه .

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ما يجري في سوريا هو مجرد تصعيد تركيإسرائيلي؟ أم أننا أمام اشتباك تركيأميركي أوسع، تُساهم تل أبيب وواشنطن معًا في إدارته وتحريكه؟

أنقرة اليوم أمام خيارات صعبة: الانكفاء والاعتماد على الدبلوماسية، مع خطر تراجع نفوذها في عملية إعادة بناء سوريا. الرد العسكري المباشر، مع ما يعنيه من احتمالات تصعيد إقليمي أوسع. أو الرهان على واشنطن، رغم تضارب الإشارات وتناقض الرسائل القادمة من إدارة ترامب.

فهل من مصلحة واشنطن ترك الأمور تنفلت نحو مواجهة عسكرية؟ وهل تضمن ألا تدخل قوى أخرى مثل طهران وموسكو وبكين على الخط، ما قد يُفقد أميركا السيطرة على تحريك خيوط اللعبة؟ وهل مهمة توم باراك الحقيقية هي ترتيب مواجهة تركية إسرائيلية محسوبة في سوريا، ترسم على أساسها خريطة الشرق الأوسط الجديد؟

المشهد معقد، والاحتمالات متعددة. لكن المؤكد أن سوريا قد تتحول إلى ساحة احتراب إقليمي تُدار معاركه من خارج حدودها .

صلح وستفاليا عام 1648 لم يُعلن فقط نهاية حرب استنزفت أوروبا، بل دشّن بداية توازنات جديدة رسمت شكل القارة لعقود طويلة ، بعكس ما كان يريده ويتوقعه البعض .

في السياسة كما في التاريخ، تجاهل الخصم لا يلغي حضوره. والاعتقاد بأن السيطرة على الرقعة تمنحك حق إعادة رسمها وحدك، وهمٌ كلّف كثيرين غاليًا . وسوريا اليوم ليست استثناء.

فمن يظن أن بإمكانه أن يقترب منها ليعيد ترتيبها على هواه، قد يضيع… لا من دون سبب، بل ” من غير ليه “.

عن الكاتب


شاركها.