اخبار تركيا

ناقش مقال للكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، في صحيفة يني شفق، عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي بوصفها تعبيرًا صارخًا عن جوهر الهيمنة الأميركية، لا حدثًا استثنائيًا أو ًا بشخص ترامب وحده.

ويربط الكاتب بين التواطؤ الأميركي الكامل مع الإبادة في غزة، واستخدام القانون الأميركي ولا سيما قانون “ريكو” كأداة لفرض الولاية القضائية على العالم بأسره. كما يحلل دور النفط والدولرة في تحويل الدول إلى كيانات خاضعة.

ويؤكد أن ما يبدو استعراضًا للقوة ليس سوى مقامرة إمبريالية مكشوفة، تتراكم معها ملفات الجرائم وتقترب لحظة الحساب، في ظل تنامٍ متسارع للسخط العالمي على الولايات المتحدة. وفيما يلي نص المقال:

إن عملية خطف الأشخاص التي نفذتها الولايات المتحدة بحق فنزويلا لا تختلف في جوهرها عن الممارسات التي دأبت عليها واشنطن منذ السنوات التي فرضت فيها هيمنتها الفعلية. ومنذ السابع من تشرين الأول، ومع الإهمال الفاضح الذي أبداه النظام الدولي تجاه جريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني القاتل بحق غزة، بدأ وعي عالمي يتشكل على أن العالم تحكمه منظومة مختلفة تمامًا عمّا كنا نتصوره.نعم، تبدو الأراضي الفلسطينية محتلة في الظاهر، ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، بأثقل ترساناته العسكرية، هجومه على غزة بدعم أميركي غير محدود.

قد تعطي هذه الهجمات انطباعًا بأن غزة هي أسوأ بقعة حالًا في العالم اليوم، غير أن الحقيقة هي العكس تمامًا. فغزة هي الشعب الحر الوحيد القادر على رفع صوته في وجه نظام عالمي مارق، القادر على المقاومة، والذي لم يفقد إحساسه بالحرية. شعب غزة هو الشعب الحر الأخير في هذا العالم.

كل جرائم إسرائيل تُسجل كاملة في حساب الولايات المتحدة

والحال أن الولايات المتحدة، وخصوصًا بعد العملية التي نفذتها بحق فنزويلا وهي تتباهى بها، باتت مكشوفة بالكامل، كمن يستعرض شجاعته بينما يفضح سرقته في الوقت ذاته. لو أرادت واشنطن، لكان إيقاف إسرائيل مسألة وقت لا أكثر.

فإن كانت الولايات المتحدة تحترم حقًا القانون الذي استخدمته اليوم ضد مادورو، فعليها أولًا أن تقوم باعتقال بنيامين نتنياهو بنفسها فورًا، بعد أن باتت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها موثقة ومعلومة، وأن تحاسبه على أفعاله.

كل الاتهامات التي وجهتها واشنطن إلى مادورو، ارتكبت الولايات المتحدة ما هو أعظم منها، وبشكل مباشر وعلى نطاق عالمي واسع. ومن يجهل أن الولايات المتحدة هي أكبر راعٍ لتجارة المخدرات في العالم، فليلقِ نظرة على أفغانستان. ففي فترة الاحتلال والسيطرة الأميركية، كانت أفغانستان أكبر مصدر للمخدرات في العالم، بينما تشير بيانات الأمم المتحدة منذ عام 2021 إلى أن إنتاج المخدرات تراجع إلى حدود 5 في المئة، وهو ما يُرجح أن يقتصر على الاستخدامات الطبية للأفيون.

قانون ريكو: من محاكمة عائلة أوزان إلى تحويل العالم إلى ساحة للقانون الأميركي

لا قيمة قانونية على الإطلاق لقيام الولايات المتحدة باختطاف مادورو من بلاده ونقله إلى أراضيها لمحاكمته. فالقانون الذي استندت إليه في إعداد لائحة اتهام أشبه بالمسرحية هو قانون ريكو(قانون المنظمات المتأثرة بالابتزاز والفساد)، وهو أحد أقوى الأدوات في النظام القضائي الأميركي لملاحقة الجرائم الموجهة ضد الدولة.

أُقر هذا القانون عام 1970 بهدف تفكيك المافيا، لكنه يُستخدم اليوم ضد طيف واسع من الجرائم، من عصابات الشوارع إلى الاحتيال المؤسسي ذي الياقات البيضاء. ويتيح هذا القانون للدولة ربط جرائم متعددة ببعضها والتعامل معها كـ”منظمة” أو “كيان واحد”، بما يسمح بمحاسبة قادة التنظيم حتى إن لم يرتكبوا الجرائم بأيديهم مباشرة.

وتُعد القضية الشهيرة بين شركة Motorola Credit Corp الأميركية وعائلة أوزان التركية مثالًا بارزًا على دعاوى قانون ريكو المدنية، حيث انتهت القضية، التي تمحورت حول شركة TELSİM واتهامات احتيال بمليارات الدولارات، لصالح الجانب الأميركي.

واليوم، تحاول الولايات المتحدة، ضمن عقيدة ترامبية واضحة، توسيع نطاق هذا المنطق ليشمل الكرة الأرضية بأسرها، وتحويل العالم كله إلى امتداد لقانونها الداخلي.

عندما يشمّ الإمبريالي رائحة النفط

إن استخدام ما فعله ترامب مع مادورو كسابقة للضغط على كولومبيا والمكسيك وكوبا، بل وحتى على الدنمارك وكندا، يؤكد أن المسألة لم تعد سياسة شخصية لترامب، بل تجلٍ صريح لجوهر النظام الإمبريالي نفسه. إنها عودة صريحة لذهنية الغرب المتوحش، حيث اللصوصية وقطع الطريق بلا أي محاولة للتستر.

وكما قال دولت بهتشلي، فإن الإمبريالي قد شمّ رائحة النفط. فالمشكلة الوحيدة لفنزويلا هي امتلاكها النفط، تمامًا كما كان الحال مع العراق. ولو لم يكن النفط موجودًا، لكان صدام حسين لا يزال يحكم العراق حتى اليوم.

الدولرة أداة للهيمنة الأميركية

تنظر الولايات المتحدة إلى العالم بأسره بوصفه جزءًا من نظامها الكوني، وقد قَبِل العالم بذلك عمليًا من خلال نظام الدولرة. فاستخدام الدولار كعملة عالمية يمنح واشنطن قدرة هائلة على التحكم في حركة الأموال، وفرض العقوبات عبر حرمان الدول من التداول المالي.

وهذا يعني عمليًا تحويل الدول الأخرى إلى أجزاء خاضعة للقانون الأميركي الداخلي، أي إخضاعها بصورة مهينة.وليس هناك دليل أوضح على تراجع العدالة داخل الولايات المتحدة من عجزها عن محاسبة أصحاب النفوذ، وهو ما يظهر بوضوح في تجميد قضايا كبرى مثل قضية إبستين، التي لم تمسّ حتى اليوم أي شخصية نافذة، وعلى رأسها ترامب.

لم يعد القانون في الولايات المتحدة قانون الأقوى، بل قانون رعاة البقر المسلحين ولصوص الخيول. لكن هل يعكس هذا قوة حقيقية؟

لقد قيل سابقًا: خطف رئيس دولة من منزله ليس استعراض قوة. حتى أضعف إنسان مسلح، إن تجرأ على الضغط على الزناد، قادر على إنهاء حياة أقوى الرجال. هذا لا يدل على القوة، بل على الاستعداد للمقامرة، مهما كانت العواقب.

لم تكن العملية لتنجح لولا أن الباب فتح من الداخل

إن خطف مادورو يمثل إساءة استخدام فاضحة للقوة، وجريمة تستوجب المحاسبة وفق القانون الدولي. وقد بات واضحًا أن نجاح العملية لم يكن نتيجة قوة الولايات المتحدة، بل نتيجة خيانة داخلية تعرّض لها مادورو.

فالقوات الأميركية التي تُضخَّم قدراتها إعلاميًا فشلت مرارًا في الصومال والعراق وأفغانستان، ولم تحقق إنجازات تُذكر. ولولا من فتح الباب من الداخل، لما تمكنت من تنفيذ هذه العملية، تمامًا كما لم يكن ممكنًا للبريطانيين تحقيق نصرهم في الدولة العثمانية لولا من تعاون معهم من الداخل.

ومع ذلك، فإن ما يجعل ارتكاب هذه الجرائم ممكنًا هو شعور الجاني بالقوة. غير أن ملفات الجرائم، كلما تضخمت، اقتربت نهايات أصحابها.

إن تعرّض دول أميركا اللاتينية كافة، بل وحتى دولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو مثل الدنمارك، لتهديدات الاحتلال والضم، أطلق موجة سخط عالمي متزايد ضد الولايات المتحدة. وما سيأتي بعد ذلك، شأن أميركي خالص.

شاركها.