اخبار تركيا
استقبل مرفأ طرطوس أول شحنة استيراد مباشرة من الشعير الروماني، محمّلة على الباخرة “إم جي صوفيا”، دون المرور عبر الموانئ التركية أو اللبنانية، في خطوة وُصفت بأنها تحول اقتصادي بارز بعد سنوات من العزلة التجارية والعقوبات.
ووصلت الباخرة إم جي صوفيا إلى مرفأ طرطوس (غربي سوريا) محمّلة بأكثر من 19 ألف طن من الشعير الروماني عبر شركة إيه دي الأميركية، يمثّل حدثا بارزا في مسار الاقتصاد السوري بعد سنوات من العزلة التجارية الناجمة عنالعقوبات.
هذه الخطوة ليست مجرد عملية استيراد روتينية، بل تحمل في طياتها دلالات اقتصادية وسياسية عميقة، تعكس بداية مرحلة جديدة في علاقاتسورياالتجارية مع العالم.
فطوال السنوات الماضية اضطرت سوريا للاعتماد على موانئ الدول المجاورة لاستيراد المواد الأساسية، مما زاد من تكاليف النقل وأثقل الأسعار المحلية. أما اليوم، فإن وصول شحنة مباشرة إلى طرطوس يشير إلى انفراجة تجارية محتملة، تفتح الباب أمام تعزيز السيادة الغذائية وتخفيف الضغوط المعيشية، بحسب تقرير لـ “الجزيرة نت”.
حدث اقتصادي لافت
وفي تصريح لـ “الجزيرة نت”، قال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية مازن علوش، إن مرفأ طرطوس استقبل فجر الأربعاء الباخرة إم جي صوفيا، وهي أول سفينة تنقل محاصيل زراعية من أوروبا وأميركا الجنوبية إلى سوريا بعد رفع العقوبات.
وأوضح أن الشحنة، التي تجاوزت 19 ألف طن من الشعير الروماني، دخلت عبر شركة أميركية مباشرة دون المرور بموانئ وسيطة فيتركياأولبنان. واعتبر أن هذا التطور يمثّل بداية لمرحلة جديدة من الاستيراد المباشر بكفاءة أعلى وتكلفة أقل، مؤكدا أن الهيئة تعمل على خطط لتطوير المرافئ وزيادة قدرتها الاستيعابية بما يسمح باستقطاب خطوط بحرية عالمية.
تحولات اقتصادية وسياسية
ورأى المستشار الأول في وزارة الاقتصاد السورية الدكتور أسامة قاضي، أن قرار وزارةالخزانة الأميركيةبرفع العقوبات يشكّل منعطفا في العلاقات الاقتصادية.
وأشار في حديثه لـ “الجزيرة نت” إلى أن هذا القرار شجع بعض الشركات الأميركية على إعادة النظر في السوق السورية، وهو ما قد ينعكس على قطاعات أخرى مثل النفط والغاز والصناعات التحويلية. لكنه أضاف أن الطريق ما يزال محفوفا بعقبات، سواء على صعيد البنية التحتية المتهالكة أو على مستوى الاستقرار السياسي اللازم لجذب الاستثمارات.
بين الاقتصاد والمجتمع
أبعاد الانفتاح لا تقتصر على الاقتصاد وحده، بل تمتد إلى الجانب الاجتماعي والتقني. فقد أوضح بكر غبيس، عضو منظمة “مواطنون لأجل أميركا آمنة”، أن إدخال تقنيات وبرامج أميركية في القطاع المصرفيوالأمن السيبرانيقد يفتح آفاقا للاستثمار في مجالات الإنترنت والاتصالات والتعليم والتجارة الإلكترونية.
وأضاف أن هذا التعاون قد يحمل بعدا ثقافيا، من خلال بناء جسور إنسانية بين الشعبين السوري والأميركي، لكنه حذّر من أن استمرار هذا المسار مرهون بظروف سياسية معقدة قد تؤدي إلى انتكاسات مفاجئة.
خفض التكاليف وإعادة تنشيط الصناعة
في حين أشار الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي لـ”الجزيرة نت” إلى أن الاستيراد المباشر سيخفض تكاليف النقل بشكل واضح، مما سينعكس على أسعار السلع الغذائية ويخفف الضغوط المعيشية خلال أشهر قليلة.
وتوقع أن يلمس المواطنون تراجعا تدريجيا في أسعار بعض المواد الأساسية، في حين تحتاج السلع الإستراتيجية إلى وقت أطول. وأكد أن سياسة “صفر مشاكل” التي تتبناها الحكومة مع مختلف الدول قد تسهم في توسيع قاعدة التعاون الاقتصادي، مستفيدا من الموقع الإستراتيجي لسوريا الذي يمنحها فرصة لإعادة تأهيل مرافئها ومطاراتها خلال العامين المقبلين.
ويبقى السؤال: هل يمثل وصول إم جي صوفيا بداية مسار انفتاح اقتصادي طويل الأمد، أم خطوة ظرفية ة بقرار سياسي أميركي؟ ففي حين يرى بعض الخبراء أن الأفق يبدو واعدا، يحذّر آخرون من أن نجاح هذه التجربة يتوقف على قدرة سوريا على معالجة تحدياتها الداخلية، وتأمين بيئة استثمارية مستقرة تضمن استدامة هذا الانفتاح.
تجدر الإشارة إلى أنه في يوليو/ تموز الفائت، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمراً تنفيذياً ينهي برنامج العقوبات الأمريكية على سوريا للسماح بإنهاء عزلة دمشق عن النظام المالي العالمي، وذلك تماشياً مع تعهد واشنطن بمساعدة سوريا على إعادة الإعمار بعد الأزمة.