اخبار تركيا
تشتهر تركيا بجمالها الطبيعي المتنوع، من وديان كبادوكيا الساحرة إلى قمم جبال طوروس المهيبة، ومن بحيرات الملح النادرة إلى أنهار المدن النابضة بالحياة. وفي جولة بين أشهر معالمها الطبيعية والسياحية، تتجلى عظمة التاريخ وتنوع الجغرافيا في آن واحد، حيث تلتقي الطبيعة بالتراث الإنساني في لوحة فريدة.
وادي إهلارا: رحلة في قلب الصخور البركانية
يقع وادي إهلارا في ولاية أق سراي بالقرب من جبل حسن وجبل ملنديز، وهما اثنان من البراكين الثلاثة التي شكلت طبيعة كبادوكيا الفريدة. يبلغ عمق الوادي نحو 100 متر، وقد نحته نهر ملنديز منذ آلاف السنين، ممتداً لمسافة 14 كيلومتراً من قرية إهلارا حتى دير سليمة بقرية سليمة، عبر 26 منعطفاً مدهشاً.
يُعتقد أن الوادي كان يضم في الماضي أكثر من أربعة آلاف مسكن ومئة دير محفورة في الصخور ومزينة بلوحات جدارية نادرة، عاش فيها ما يقارب ثمانين ألف شخص. اليوم، أصبح المكان وجهة لعشاق المشي بين الكهوف والكنائس، حيث يمكن الاستمتاع بجمال الطبيعة بجوار كروم العنب وأشجار الحور والفستق الحلبي، على وقع خرير نهر ملنديز، ومراقبة الطيور والفراشات وحتى النسور التي تحلق في سماء الوادي.
وتتميز كنائس وادي إهلارا برسوماتها ونصوصها الطويلة، التي تختلف عن كنائس كبادوكيا الأخرى، وتشبه في طابعها الكنائس الأولى في سوريا والكنائس القبطية في مصر.
أودية كبادوكيا: لوحات طبيعية لا مثيل لها
تضم كبادوكيا مجموعة من الوديان الفريدة، لكل منها طابع خاص:
وادي دُورَنت (الوادي الخيالي): يعرف أيضاً بوادي الصنوبر، ويُعد من أبرز الوجهات في المنطقة، حيث تتشكل مداخن الجن الصغيرة والمناظر الصخرية الغريبة التي تشبه سطح القمر، إضافة إلى صخور منحوتة طبيعياً على هيئة حيوانات.
وادي باشا باغ (وادي الرهبان): يقع على الطريق بين غورمه وأفانوس، وتنتشر فيه أعمدة صخرية مذهلة وسط مزارع العنب، سميت تيمّناً بالرهبان الذين عاشوا في هذه المنطقة.
وادي غوفارجينليك (وادي الحمام): سُمي نسبة إلى آلاف البيوت الصخرية التي نُحتت لتكون مأوى للحمام، والذي كان يُستخدم قديماً كغذاء وكسماد طبيعي. وما تزال هذه البيوت محفوظة حتى اليوم، شاهداً على ارتباط الإنسان بالطبيعة.
وادي الحُب: يضم مجموعة من أعمدة الصخور المخروطية الضخمة، التي تغير ألوانها مع ضوء الشمس، ما يجعله جنة للمصورين والجيولوجيين على حد سواء.
وادي الوردة الحمراء: يقع بين غورمه وجاوشين، ويشتهر بألوان صخوره التي تتدرج بين الوردي والأصفر والبرتقالي، نتيجة ثورانات بركانية قديمة وعوامل التعرية.
وادي صوغانلي: في منطقة يشيل حصار، وهو أحد أشهر المواقع التاريخية بكنائسه الصغيرة وصوامعه، حيث ما تزال كنائس قرة باش، يلانلي، وسكلي محفوظة بشكل رائع.
بحيرة الملح (توز غولو): صحراء بيضاء على مد البصر
تُعد بحيرة الملح، الواقعة بين قونية وأق سراي وأنقرة، ثاني أكبر بحيرة في تركيا، وإحدى أكثر البحيرات ملوحة في العالم. في الصيف، يتبخر جزء كبير من مياهها، تاركاً طبقة ملحية سميكة تصل إلى 30 سم، فتبدو كصحراء بيضاء شاسعة، تُشبه سطح كوكب غامض.
تستضيف البحيرة ما يقرب من 6000 منطقة تعشيش للطيور، منها أنواع نادرة من الفلامنغو، إضافة إلى 279 نوعاً من النباتات والبكتيريا. وبفضل هذه الخصائص، أدرجت المنطقة على القائمة المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو.
حديقة ألادَغْلار الوطنية: جنة المتسلقين
في المثلث الذي يربط ولايات قيصري، نيغدا، وأضنة، تقع حديقة ألادَغْلار الوطنية، التي تضم أعلى قمم جبال طوروس. تشكل الحديقة وجهة عالمية لعشاق تسلق الجبال، فضلاً عن أنشطة التجديف، رحلات السفاري، الطيران المظلي، التصوير الفوتوغرافي، والمشي لمسافات طويلة. أفضل وقت لزيارة الحديقة هو فصل الصيف، بين يونيو وأغسطس.
جبل أرجياس: عملاق الأناضول الأبيض
يرتفع جبل أرجياس، البركان الخامد، إلى 3916 متراً، ويُعد رمز ولاية قيصري. يضم الجبل مركزاً حديثاً للتزلج افتتح عام 2011، يضم 14 مصعداً ومسارات يصل طول أطولها إلى 3.5 كيلومترات. وفي الصيف، يتحول الجبل إلى وجهة للمشي والتخييم وركوب الدراجات وتسلق القمم.
وادي قازان قايا في يوزغات: آثار وأساطير
يقع الوادي بالقرب من بلدة قازان قايا، على بعد 10 كيلومترات من منطقة أيدنجك في يوزغات، ويمتد لمسافة 10 كيلومترات بين جبال ألان وتل مالبلن. يتميز بوجود نقوش قديمة وآثار مكرسة للإلهة كوبيلي، إلهة الأم في الأناضول ورمز الخصوبة.
جبل حسن: المغامرة في قلب البركان
بارتفاع 3268 متراً، يُعد جبل حسن في أق سراي وجهة للمغامرين على مدار العام، سواء للتسلق أو التزلج أو الطيران المظلي. تقع عند سفحه مدينة “نورا” القديمة، فيما تشتهر برك “حلوة دره” القريبة بأسماكها الطازجة ومطاعمها التقليدية.
بحيرة بَي شهير الوطنية: غروب لا يُنسى
على ضفاف ثالث أكبر بحيرة في تركيا، تنتشر معالم سلجوقية تاريخية، بينما تحتضن المنطقة الجنوبية الغربية حديقة بَي شهير الوطنية، ثاني أكبر محمية طبيعية في البلاد. عند الغروب، يتحول سطح البحيرة إلى مرآة ذهبية تعكس جمال القوارب والقصب الأخضر.
هضبة إلغاز قرق بينار: فسحة في الجبال
تقع على بعد 70 كيلومتراً من جانقري، على ارتفاع 1650 متراً، وتضم بركة واسعة ومنازل تقليدية. تحيط بها غابات الصنوبر والتنوب والمروج الخضراء، ما يجعلها مكاناً مثالياً للتخييم، ركوب الخيل، التنزه، والتصوير.
نهر بورسوك في أسكي شهير: الحياة على ضفاف الماء
تمتاز مدينة أسكي شهير بمرور نهر بورسوك في قلبها، حيث يمكن القيام بجولات بالقوارب أو الجلوس في المقاهي على ضفافه، وسط أجواء تجمع بين الطابع الأوروبي والتركي. النهر يشكل شريان حياة سياحي وثقافي للمدينة التي تعرف بلقب “فينيسيا الأناضول”.
بهذا التنوع المدهش، تُثبت تركيا أنها ليست مجرد وجهة تاريخية بآثارها العثمانية والبيزنطية، بل هي أيضاً جنة طبيعية تعج بالوديان والجبال والبحيرات، حيث يجد كل زائر ما يلبي شغفه، من المغامرة والتسلق إلى التأمل والهدوء.