اخبار تركيا
تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، في صحيفة الشرق القطرية، التحوّلات العميقة في المسألة الكردية داخل سوريا، من التعايش التاريخي بين مكوّنات المجتمع السوري إلى عسكرة القضية في سياق الحرب الباردة ثم الصراع الإقليمي والدولي.
يحلّل الكاتب دور نظام الأسد في توظيف حزب العمال الكردستاني، ثم صعود «قسد» بدعم أمريكي بعد 2011، وصولًا إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام وبروز الدولة السورية الجديدة. كما يناقش فشل «قسد» في الالتزام باتفاق الاندماج، وتداعيات خسارتها العسكرية غرب الفرات، وانحسار الرهان على الدعم الخارجي.
ويخلص إلى أن استعادة الدولة لسيادتها ومواردها تمثّل شرطًا أساسيًا للاستقرار وإعادة الإعمار، وأن إنهاء ظاهرة الجيوش الموازية يفتح الباب أمام سوريا موحّدة، أكثر أمنًا، وقابلة للتعافي الاقتصادي، بما ينعكس إيجابًا على استقرار المنطقة بأكملها. وفيما يلي نص المقال:
عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر من 1200 عام ضمن إطار اجتماعي وتاريخي قائم على التعايش، إلى أن شهدت البلاد تحوّلًا جذريًا بعد الحرب العالمية الأولى. فقد قامت الدولة السورية الحديثة تحت هيمنة أقلية طائفية حكمت باسم القومية العربية، وأقامت نظامًا استبداديًا اعتمد القمع والإقصاء منهجًا ثابتًا في إدارة المجتمع، ما ألحق الظلم بجميع المكوّنات دون استثناء. وفي هذا السياق، حُرم أكراد سوريا من حقوقهم الأساسية، وفي مقدّمتها حق الهوية والجنسية، في حين قدّم نظام البعث دعمًا مبكرًا لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي روّج لنفسه بوصفه حركة كردية، رغم أنه تنظيم نشأ في ظروف الحرب الباردة واستُخدم أداةً في الصراع الإقليمي ضد تركيا، حيث وفّر له النظام السوري الملاذ والحماية لسنوات طويلة.
ومع تصاعد التوتر بين أنقرة ودمشق عام 1998 بسبب نشاط حزب العمال الكردستاني، برز خطر المواجهة العسكرية بين البلدين، ما دفع حافظ الأسد إلى طرد عبد الله أوجلان خارج سوريا. وفي عام 2003 أعلن الحزب تأسيس فرعه السوري تحت اسم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، غير أن نشاطه بقي محدودًا نسبيًا في تلك المرحلة. إلا أن المشهد تغيّر جذريًا مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حيث انسحب نظام الأسد من مناطق واسعة في الشمال الشرقي عام 2012 وسلّمها لـ «PYD» دون قتال. وفي العام التالي، وبذريعة محاربة تنظيم داعش، قامت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بتسليح هذا التنظيم، الأمر الذي مكّنه من بسط سيطرته على معظم الشريط الحدودي الشمالي لسوريا وعلى المناطق الواقعة شرق نهر الفرات. ورغم تنفيذ تركيا عدة عمليات عسكرية لاحقًا لتفكيك هذا الحزام الأمني، فإنها لم تتمكن من القضاء عليه بالكامل بسبب الضغوط السياسية والعسكرية الأمريكية.
ومع نهاية عام 2024، وبعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة، حيث وقّعت الحكومة السورية الجديدة في 10 آذار/مارس اتفاقًا مع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، المعروف باسم قوات سوريا الديمقراطية (SDF). ونصّ الاتفاق على ضمان حقوق الأكراد ضمن الدولة السورية الجديدة ودمجهم في البنية السياسية والدستورية، مقابل التخلي عن السلاح والانخراط في مؤسسات الدولة. وفي السياق نفسه، أطلقت تركيا مشروع «تركيا بلا إرهاب» بعد تفاهمات مع عبد الله أوجلان، وطالبت المجموعات الة بحزب العمال الكردستاني في سوريا والعراق بإلقاء السلاح. كما أكدت أنقرة دعمها لوحدة الأراضي السورية ومنع قيام أي كيان انفصالي يقوم على السلاح والدعم الخارجي.
غير أن قوات سوريا الديمقراطية لم تلتزم فعليًا ببنود الاتفاق، إذ انتهجت سياسة المماطلة ورفضت التخلي عن مصادر قوتها ونفوذها، رغم أن عملية تطبيع الأوضاع في سوريا وإعادة إعمارها تتطلب بشكل ملح استعادة الدولة السيطرة على موارد النفط والمياه والأراضي الزراعية الخصبة الواقعة تحت سيطرتها. ومع بداية العام الجديد، كثّفت إدارة أحمد الشرع الضغوط على «SDF» ودعتها إلى تنفيذ الاتفاق، ولا سيما الانسحاب من المناطق الواقعة غرب نهر الفرات التي تسكنها غالبية عربية. ومع استمرار الرفض، جرى اللجوء إلى الخيار العسكري، فخلال أيام قليلة خسرت «SDF» معظم تلك المناطق، وباتت مهددة بخسارة مدينة الطبقة ذات الأهمية النفطية والإستراتيجية.
وقد شكّلت هذه الهزيمة ضربة قاسية لهيبة «SDF»، التي بالغت في الاعتماد على الدعم الأمريكي وتحدّت الحكومة السورية وتركيا. وأصبح من الصعب عليها الحفاظ على وجودها حتى شرق الفرات. وفي هذه المرحلة، يبدو أن الخيار العقلاني أمام قياداتها هو الاستجابة لنداء عبد الله أوجلان، والتخلي عن السلاح، والاندماج في المجتمع كقوة سياسية مدنية، بدل الانخراط في حرب خاسرة. فالإدارة الأمريكية التي تنتظر منها «SDF» الدعم تواجه ملفات أكثر إلحاحًا، مثل إيران، وأوكرانيا والصين وفنزويلا.
وفي المحصّلة، تمكّن الجيش السوري من فرض واقع الاستسلام على قسد، وهو ما يُعدّ هزيمة للتمرد الكردي وإنهاءً فعليًا لخطر تقسيم البلاد، بما يعزّز مسار الاستقرار الوطني. لأن لا استقرار من دون أمن، ولا إعادة إعمار من دون استقرار، كما أنّه لا توجد دولة في العالم تقبل بوجود جيش موازٍ داخل حدودها السيادية. وبعد توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة من الوحدة الجغرافية والسياسية، وأكثر تحررًا من الإرهاب، وأكثر قابلية للاستقرار. ومع استعادة الموارد الطبيعية من نفط ومياه وأراضٍ زراعية، تتوفر الشروط الأساسية لانطلاق عملية التعافي والازدهار الاقتصادي. ولا يقتصر أثر هذا التطور الحاسم على الداخل السوري فحسب، بل إن المنطقة بأسرها ستستفيد من سوريا موحّدة، مستقرة، مسالمة ومزدهرة.
