اخبار تركيا
تناول مقال للكاتب والمحلل التركيعبدالله مراد أوغلو، بصحيفة يني شفق، مقاربة نقدية للسياسة الأميركية تجاه فنزويلا، رابطًا بين محاولات السيطرة على مواردها النفطية ومنطق الإمبراطوريات عبر التاريخ.
يستحضر الكاتب مثال أثينا القديمة وحوار ميلوس كما رواه ثوكيديديس، ليقارن بين خطاب القوة الذي يبرر الإخضاع آنذاك، والخطاب الأميركي المعاصر الذي يغلف المصالح الاقتصادية بلغة الأمن القومي.
ويخلص إلى أن استعادة الولايات المتحدة لسياسات الهيمنة في أميركا اللاتينية، تحت مظلة عقيدة مونرو بصيغة ترامبية، قد تحمل في طياتها بذور الفشل ذاته الذي أطاح بالإمبراطورية الأثينية. وفيما يلي نص المقال:
في إحدى روايات التشويق التي حُولت في سبعينيات القرن الماضي إلى فيلم سينمائي، كان رئيس دولة إفريقية هو الهدف، لأنه لم يسمح لشركة غربية جشعة بالاستيلاء على موارد بلاده المعدنية. استعانت الشركة بعقيد سابق متمرسا للتخلص من رئيس الدولة، فقام ذلك العقيد بتنظيم مجموعة من الجنود المرتزقة السابقين لتنفيذ العملية. أما الزعيم المقبل الذي سيخدم مصالح الشركة فكان جاهزا منذ البداية، غير أن جلوسه على كرسي الرئاسة كان ا بنجاح العملية العسكرية.
العملية التي تشنها الولايات المتحدة ضد فنزويلا ذكرتني بتلك الرواية. غير أن البلد المستهدف هذه المرة لم يكن من إفريقيا، بل من أميركا اللاتينية. فقد قامت فنزويلا بتأميم مواردها النفطية جزئيا عام 1976، ثم على نطاق أوسع عام 2007، وبسبب هذا التأميم أو ما يشبه المصادرة، حُرمت شركات أميركية كثيرة من أرباحها الكبيرة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يحاول تصوير مصالح شركات النفط الخاصة على أنها مصالح أمن قومي، يقول إن نفط فنزويلا ملك للولايات المتحدة، وإن هذا النفط سيستعاد ويعاد تشغيله بواسطة الشركات الكبرى. كما صرح بأنهم سيديرون فنزويلا لفترة مؤقتة، وهدد بأن يكون مصير نائب الرئيس الذي حل مكان مادورو أسوأ بكثير إذا لم ينفذ ما تريده الولايات المتحدة.
نموذج فنزويلا يعيد إلى الأذهان ما كان يسمى إمبراطورية أثينا في العصور القديمة، تلك التي كانت تقول إن القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يتحمل ما يفرض عليه. ففنزويلا هنا تشبه جزيرة ميلوس الصغيرة التي تعرضت للمجزرة خلال حروب أثينا وإسبرطة التي بدأت عام 431 قبل الميلاد وانتهت عام 404 بهزيمة أثينا بعد سبعة وعشرين عاما من القتال.
المؤرخ الأثيني ثوكيديديس، الذي شهد تلك الحروب بصفته جنرالا، ذكر في تاريخه الذي أراد له أن يكون درسا لكل الأزمنة، حوارا دار بين الأثينيين وسكان ميلوس. فقد حاول أهل ميلوس إقناع أثينا بأن حيادهم في حرب أثينا وإسبرطة هو الخيار الأفضل لهم ولأثينا معا. لكن الأثينيين طالبوا ميلوس بأن تختار بين الخضوع ودفع الجزية لأثينا أو الفناء. كانت القضية بالنسبة إلى أثينا قضية قوة، لا عدالة ولا أخلاق ولا دين: أثينا قوية، وميلوس جزيرة صغيرة ضعيفة.
وكانت أثينا ترى أن حياد ميلوس سيفهم من قبل أعضاء رابطة بحر دلوس على أنه علامة ضعف. وكان سكان ميلوس يرون أن الاستسلام بلا قتال عار، بينما كان الأثينيون يقولون لهم: فكروا فقط في البقاء. وعندما طالب أهل ميلوس بالعدل، رد الأثينيون بأن العدل والحق والقانون لا يكون لها معنى إلا بين قوى متكافئة. وفي النهاية، اجتاحت أثينا ميلوس، فقتلت الرجال، واستعبدت النساء والأطفال، وأسكنت مستوطنين من أهلها في الجزيرة.
أما البقاء على الحياد في صراع القوة الكبير بين أثينا وإسبرطة، فكان بالنسبة إلى أثينا أمرا لا يمكن قبوله. وبذلك بدا كأن سكان ميلوس قد دعوا إلى إزاحتهم عبر تمسكهم بالحياد. ولم تتعظ أثينا من درس أن الكبرياء يسبق السقوط، فحشدت جيشا كبيرا لغزو جزيرة صقلية خارج المنطقة، لكن الغزو انتهى بهزيمة ساحقة. وشارك الأثرياء الذين نجوا من ميلوس لاحقا في تمويل حملات إسبرطة ضد أثينا. وفي نهاية المطاف، زالت الإمبراطورية الأثينية من الوجود.
أما عقيدة مونرو الأميركية، التي تعتبر النصف الغربي من الكرة الأرضية حديقة خلفية لا يسمح لأي قوة خارجية بدخولها، فقد كانت في القرن التاسع عشر موجهة ضد قوى أوروبية مثل إنكلترا وفرنسا وإسبانيا. لكن نسخة ترامب من هذه العقيدة تشمل هذه المرة الصين وروسيا وغيرها من القوى التي تنافس الولايات المتحدة عسكريا واقتصاديا.
القضية إذن ليست فنزويلا والنفط وحدهما. فترامب يهدد كولومبيا والمكسيك وكوبا، ويتحدث حتى عن الاستيلاء على جزيرة غرينلاند. وإذا كانت الولايات المتحدة في عهد ترامب تعود إلى السياسات الاستعمارية القديمة في أميركا اللاتينية، وتستعد لإعادة فتح جراحها، فلا شك أن لذلك ارتدادات ستكون مكلفة في النهاية.
