اخبار تركيا

يرى الكاتب والمحلل التركي قدير أوستون، بأن عملية استهداف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو شكّلت إعلانًا عمليًا لعودة الولايات المتحدة إلى منطق «الحديقة الخلفية» وفق نسخة محدّثة من مبدأ مونرو، بما يعكس تحوّلًا عميقًا في الاستراتيجية الأمريكية من قيادة النظام الدولي الليبرالي إلى الاكتفاء بالهيمنة الإقليمية على نصف الكرة الغربي.

ويربط أوستون في مقال بصحيفة يني شفق بين هذا التحول وإمكانية وجود تفاهم ضمني مع روسيا يقوم على تبادل مناطق النفوذ، في ظل مؤشرات على قبول واشنطن بحرية حركة أوسع لموسكو وبكين داخل «حدائقهما الخلفية».

كما يضع هذه التطورات في سياق مرحلة انتقالية عالمية تتراجع فيها القواعد القانونية الدولية لصالح منطق القوة، محذرًا من أن نظامًا دوليًا يقوم على فرض الإرادة بالقوة لن ينتج استقرارًا، بل سيقود إلى صراعات جديدة، وتسريع سباقات التسلح، وتطبيع الممارسات التعسفية للقوى الكبرى.

وفيما يلي نص المقال:

جسّدت إدارة ترامب رسالتها القائلة إن نصف الكرة الغربي هو “حديقتها الخلفية” بشكل عملي، بعدما نقلت الضغوط والحصار المفروضين على فنزويلا إلى مستوى جديد عبر عملية استهدفت مادورو مباشرة و”أخرجته من سريره”. واشنطن، التي أعلنت في وثيقة استراتيجية الأمن القومي أنها ستطبق نسخة محدّثة من مبدأ مونرو، قامت باستعراض قوة فاضح انتهك بوضوح القانون الدولي والأعراف الدولية.

ترامب، الذي بدا وكأنه يتحدث بنبرة سُكر الانتصار، لم يكتفِ بتوجيه التهديدات إلى فنزويلا، بل وسّع دائرة رسائله لتشمل أميركا اللاتينية وغرينلاند وإيران، في محاولة لتحويل “النجاح العملياتي” في ملف مادورو إلى مكسب جيوسياسي أوسع. ومن دون الدخول في غزو شامل لفنزويلا، أعلن ترامب صراحة أن عملية مادورو مكّنته من “وضع اليد” على ثروات البلاد النفطية، في إشارة واضحة إلى عزمه تحويل الولايات المتحدة من قائد للنظام العالمي إلى قوة إقليمية مهيمنة على نصف الكرة الغربي.

السياسة الخارجية القومية التي يتبعها ترامب تبرز بوصفها انعكاسًا لاستراتيجية تقسّم العالم إلى “مناطق نفوذ” للقوى الكبرى، وهو ما يحمل في طياته خطر توجيه رسالة إلى كل من روسيا والصين مفادها أنهما تستطيعان التحرك بحرية أكبر داخل “حديقتهما الخلفية”.

هل هي مواجهة متفق عليها مع بوتين؟

تلفت الانتباه تحليلات ترى أن عملية مادورو جاءت نتيجة تفاهم ضمني بين ترامب وبوتين، يقوم على معادلة “خذ أوكرانيا واترك فنزويلا”. في هذا السياق، تكتسب شهادة فيونا هيل أهمية خاصة، إذ ذكرت خلال جلسات مساءلة ترامب في الكونغرس عام 2019 أن الروس تقدموا إلى إدارة ترامب بـ”عرض غريب” من هذا النوع. هيل، التي شغلت بين عامي 2017 و2019 منصب نائب مستشار الأمن القومي لشؤون أوروبا وروسيا، أوضحت أن موسكو استندت في طرحها إلى مبدأ مونرو، مستخدمة منطق “الحديقة الخلفية”.

التحرك المتزامن لترامب، الذي التقى بوتين في ألاسكا وسعى إلى حل قضية أوكرانيا عبر دفع زيلينسكي إلى تقديم تنازلات إقليمية، مع تنفيذ عملية مادورو، يعزز فرضية المقايضة بين أوكرانيا وفنزويلا. كما أن اقتصار رد الفعل الروسي على الإدانة الشكلية يشير إلى احتمال وجود هذا التفاهم.

وسواء وُجد اتفاق بين ترامب وبوتين أم لا، فإن من الواضح أن واشنطن تعتمد استراتيجية جديدة في صراع القوى الكبرى. فتهديد ترامب لكوبا والمكسيك وكولومبيا، وتصويره هذه الدول على أنها جزء من “حديقته الخلفية”، إلى جانب تلويحه بضم غرينلاند، كلها مؤشرات ينبغي أخذها على محمل الجد. حديث ترامب بلهجة قوة إقليمية ترى أميركا اللاتينية ضمن نطاق أمنها القومي يوحي بأن أي خطوة محتملة تجاه غرينلاند قد تؤدي إلى شلّ حلف الناتو، أو حتى تفكيكه من الداخل في أسوأ السيناريوهات.

سيناريو تهيمن فيه الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي فيما يتفكك التحالف العابر للأطلسي من الداخل، سيكون بلا شك الخيار المفضل لروسيا. أما معرفة ما إذا كان هناك “تناغم مقصود” مع بوتين، فستتضح أكثر عند النظر في تفاصيل أي اتفاق يُبرم بشأن أوكرانيا، لا سيما أن موسكو لن تتعامل مع اتفاق محتمل بوصفه سلامًا نهائيًا.

مرحلة انتقالية عالمية يسودها الغموض

الأزمات التي عصفت بالنظام الدولي الليبرالي خلال هذا القرن عززت أطروحات تقول إن العالم يمر بمرحلة انتقالية عالمية تسودها الضبابية وانعدام القدرة على التنبؤ. فمحاولات واشنطن فرض أجندة “الحرب على الإرهاب” والتدخل العسكري بزعم جلب الديمقراطية إلى الشرق الأوسط خلّفت نتائج كارثية، كان ثمنها مئات الآلاف من أرواح العراقيين.

كما أن السعي اللاحق للابتعاد عن هذه المغامرات والعودة إلى التركيز على آسياالمحيط الهادئ جاء مترددًا وغير مستقر، ولم يتحول إلى استراتيجية دائمة. وحتى محاولة إحياء التحالف الغربي عقب غزو أوكرانيا لم تدم طويلًا. واليوم، يبدو أن ترامب حسم خياره بالتركيز على نصف الكرة الغربي، لا على الشرق الأوسط ولا آسياالمحيط الهادئ ولا أوروبا.

إذا أتاح هذا التوجه لروسيا والصين حرية حركة أوسع داخل مناطق نفوذهما، فقد نشهد انتقالًا من مرحلة الغموض العالمي إلى مرحلة تفرض فيها القوى الكبرى سيطرتها على “حدائقها الخلفية”.

تخلي إدارة ترامب عن ادعاء الدفاع عن النظام الليبرالي القائم على القواعد، وقبولها بالاكتفاء بالهيمنة الإقليمية، قد يعني نهاية مرحلة عدم اليقين، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام بؤر صراع جديدة. ففي سيناريوهات تُقدم فيها روسيا والصين على عمليات داخل مناطق نفوذهما بينما تكتفي الولايات المتحدة بالإدانة، لا يمكن استبعاد احتمال تورط هذه القوى في “مستنقعات” يصعب الخروج منها.

انتهاء المرحلة الانتقالية وتقبل القوى الكبرى لأدوارها الجديدة لا يعني بالضرورة قيام نظام عالمي مستقر، إذ إن نظامًا يقوم على مبدأ “القوة تصنع الحق” لن يفضي إلا إلى مزيد من الصراع والفوضى.

هذه الديناميات ستدفع الدول متوسطة القوة إلى تسريع سباق التسلح لتعزيز قدراتها الدفاعية، فيما ستكثف القوى الكبرى جهودها لإحكام السيطرة على مناطق نفوذها. ونظام دولي تتوافق فيه القوى الكبرى فيما بينها، لكن تفرضه على الآخرين بالقوة، لن يكون نظامًا قائمًا على قواعد ومعايير يمكن التنبؤ بها.

عملية مادورو انتهكت مبدأي السيادة الوطنية وحظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع الشرعي، وهما من ركائز النظام الدولي. تجاهل الولايات المتحدة للقانون الدولي بهذه الصورة يبعث برسالة واضحة إلى “الفاعلين المارقين”، لكنه في الوقت ذاته ينذر بمرحلة ستبرز فيها ممارسات القوة التعسفية لواشنطن.

إدارة ترامب، التي لم ترَ حاجة إلى استصدار قرار لا من الكونغرس ولا من مجلس الأمن الدولي، توجه رسالة مفادها: “أستطيع معاقبة من أشاء، متى أشاء، وبالطريقة التي أريدها”. لا أحد يشكك في امتلاك الولايات المتحدة لهذه القدرة، لكن التخلي عن استخدامها ضمن إطار قانوني يعني التخلي عن الحد الأدنى من الشرعية التي كانت ترافقها.

إن إحجام إدارة ترامب عن البحث عن غطاء قانوني لعملية مادورو، واستخدامها هذا السلوك كرسالة ردع قاسية للمجتمع الدولي، يدل على أن واشنطن انتقلت إلى نمط جديد في استخدام القوة، نمط يُنذر بمرحلة تصبح فيها الممارسات التعسفية للقوى الكبرى أمرًا أكثر شيوعًا وطبيعية.

شاركها.