اخبار تركيا

تناول مقال للكاتب والإعلامي التركي توران قشلاقجي، بصحيفة القدس العربي، عام 2025 بوصفه لحظة مفصلية في التاريخ الأخلاقي المعاصر، حيث تحولت غزة من مجرد ساحة صراع إلى مرآة واجهت فيها الإنسانية ذاتها.

يرصد الكاتب كيف سبق الفن والأدب والسينما والمؤسسة الثقافية الضميرَ السياسي العالمي، فوثّقوا الإبادة حين اختار «المجتمع الدولي» الصمت أو التواطؤ. كما يستحضر الأعمال الفكرية والسينمائية والموسيقية، إلى جانب شهادات الأطباء والصحافيين والضحايا.

ويكشف كيف أصبح الصمت فعلاً سياسياً، وكيف دخل عام 2025 الذاكرة بوصفه عاماً لم تُقتل فيه غزة بالقنابل وحدها، بل بالإنكار، وتأجيل العدالة، وخيانة الشهادة. ويشير إلى سؤال أخلاقي معلّق أمام عام 2026: هل ستنتصر الذاكرة، أم سيبقى الصمت سيد الموقف؟

عند دخولنا عام 2026، ونحن نلتفت إلى عام 2025، نرى فجوة عميقة بين ما تخبرنا به أوراق التقويم وما تهمس به لنا صفحات التاريخ. لقد انطبع عام 2025 في الذاكرة بوصفه ليس فقط عام الأحداث، بل عام الصمت، وردود الفعل المتأخرة، والعمى المتعمّد، وإذا كانت كلمة واحدة قد وسمت المشهد الثقافي والفني لهذا العام، فإن تلك الكلمة، بلا منازع، كانت: غزة.

ما جرى في غزة لم يكن مجرد نتيجة لحرب أو صراع سياسي؛ بل كان مرآة أخلاقية واجهت فيها الإنسانية ذاتها، لكنها كثيرا ما تجنبت النظر، الفن والأدب والسينما نظرت إلى هذه المرآة وتكلمت؛ لكن في الوقت نفسه، غرق الكيان الكبير الذي يحمل اسم «المجتمع الدولي» في صمت عميق وأصمّ.

في عام 2025، تجاوز الفن بكثير حدود السعي الجمالي المألوف. فقد تحوّل كتاب روبرتا دي مونتيتشيلّي «الإنسانية الإنسانية المنتهكة في فلسطين في فلسطين»، وكتاب نورمان فينكلشتاين «غزة… بحثٌ في استشهادها»، من مجرد نصوص أكاديمية إلى وثائق ضمير. لم تعد هذه الأعمال مجرد تسجيل للتاريخ، بل غدت مساءلة ثقيلة يوجّهها الإنسان إلى نفسه. أما في السينما، فقد نقل فيلم «صوت هند رجب» إلى الشاشة الكبيرة صرخة شعب أُسكت، متجسدة في طفلة في السادسة من عمرها. كما روى فيلم «All That’s Left of You» (كل ما تبقّى منك) الألم الفلسطيني من دون صراخ، أو شعارات، وبصمت حكايةٍ أقرب إلى الأسطورة؛ وربما لهذا السبب تحديدا أحدث جرحا أعمق. أصبحت الموسيقى لغة الذاكرة الجمعية. فقد حوّل كل من ماكلومور في أغنيته «Hind’s Hall 2»، ولونر في أغنيته «Wake Up»، النغمات إلى جمل شهادة. أما التركيز على غزة في افتتاح بينالي إسطنبول الثامن عشر، فأظهر مرة أخرى أن الفن ليس مجرد نشاط جمالي، بل هو الضمير المشترك للإنسانية. كان الفن يتكلم، والعالم لا يستمع.

كان 2025 عاما حوصرت فيه غزة ليس بالقنابل وحدها، بل بالأكاذيب والإنكار أيضا. أنكر الجيش الإسرائيلي في البداية المجزرة التي قُتل فيها 15 من العاملين الصحيين الفلسطينيين، ثم ظهرت لاحقا مقاطع مصوّرة محفوظة على هاتف أحد المسعفين الذين قُتلوا. كانت سيارات الإسعاف، وأضواؤها مشتعلة، تتجه لالتقاط الجرحى، لتُستهدف بوابل من الرصاص. فشل الإنكار، وهذه المرة، جرى الاعتراف بالجريمة، لكن بذريعة جديدة: «كان بينهم عناصر من حماس». غير أن الحقيقة كانت أشد صدمة: فقد عُثر على الجثث وسيارات الإسعاف في مقابر جماعية. أُضيفت هذه المشاهد إلى أكثر أرشيفات العصر الحديث ظلمة. في عام 2025، لم تستهدف إسرائيل المدنيين والأطباء فحسب، بل استهدفت أيضا شهود الحقيقة. ففي عامين من الإبادة، قتلت إسرائيل 257 صحافيا فلسطينيا. وكانت هذه أكبر مجزرة للصحافيين في تاريخ العالم. وفي شهر نيسان/أبريل، قُتلت المصوّرة الصحافية فاطمة حسونة، البالغة من العمر 25 عاما، في غارة جوية إسرائيلية، بينما كان من المقرر عرض فيلمها الوثائقي في مهرجان كان. قُتلت مع عشرة من أفراد عائلتها، من بينهم شقيقتها الحامل. الجملة التي كتبتها قبل وفاتها بقليل انطبعت في الذاكرة بوصفها نصا لضمير عام 2025: «إذا متُّ، أريد موتا صاخبا. لا أريد أن أكون مجرد خبر عاجل، أو مجرد رقم في مجموعة، أريد موتا يسمعه العالم».

هل سمع العالم؟ نعم، لكنه صمت من جديد. من أكبر وصمات العار التي انطبعت في ذاكرتنا عام 2025، ذلك الصمت المدوّي إزاء قضية الدكتور حسّام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان، البالغ من العمر 51 عاما، طبيب فقد ابنه ذا الثمانية أعوام في الهجمات الإسرائيلية، إنسان لم يغادر مستشفاه، وظهر في الشاشات وهو يسير بمعطفه الأبيض بين الأنقاض باتجاه دبابة إسرائيلية. اعتُقل في الأيام الأخيرة من عام 2024. أُحرقت المستشفى. ومرّ عام كامل. وما زال في السجن، لم يخرج صوت قوي من الأمم المتحدة، ولم يتردد أي اعتراض حقيقي من «المجتمع الدولي». كان هناك رؤساء دول يطالبون بالعفو عن نتنياهو، وفُرضت عقوبات على فرانشيسكا ألبانيزي لأنها كشفت اقتصاد الإبادة. أما الدكتور أبو صفية، فلم تظهر من أجله سوى محاولات خجولة، متأخرة، وغير فعّالة.

كشفت تقارير منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان ـ إسرائيل» (PHRI) الصورة بوضوح: فقدان 25 كيلوغراما من الوزن، ومشكلات خطيرة في القلب، والجرب، وغياب العلاج، وأشهر طويلة من دون مثول أمام قاضٍ، والصمت من جديد.

في عام 2023، كتب الدكتور محمود أبو نجيلة على اللوح الأبيض في مستشفى العودة الجملة التالية: «من يبقى حتى النهاية سيروي القصة. لقد فعلنا ما بوسعنا. تذكرونا». في عام 2025، حكى الناجون ما حدث. لكن العالم اختار ألّا يتذكّر، سيدخل عام 2025 التاريخ، تماما مثل عام 2024، بوصفه «عام غزة». لكنه سيُعرف أيضا باسم آخر: العام الذي صمتت فيه الإنسانية. ونحن ندخل عام 2026، يبقى السؤال المطروح أمامنا هو: هل ستبقى شهادة الفن، والأطباء، والأطفال، والموتى؛ أم سيبقى هذا الصمت الأصمّ؟ غالبا ما يتأخر التاريخ في إعطاء جوابه. لكنه، حتما، يعطيه…

شاركها.