اخبار تركيا

تناول تقرير للكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، تحوّلًا مفصليًا في المشهد الإقليمي، انطلاقًا من تشبيه عميق بين دورات المناخ الطبيعية ودورات السياسة والتاريخ، ليصل إلى تفكيك مسار تحالف “عاصفة الحزم” منذ تأسيسه وحتى تصدّعه الأخير بين السعودية والإمارات.

ويحلّل أقطاي في تقريره كيف انحرف التحالف عن أهدافه الأصلية في اليمن، تحت وطأة هواجس أيديولوجية ومشاريع تفكيكية، ما أدى إلى إطالة أمد الحرب، وتعميق المأساة الإنسانية، وخلق توازنات إقليمية جديدة.

كما يسلّط الضوء على الدور الإماراتي المتشابك مع المشاريع الإسرائيلية في اليمن والسودان والصومال، وعلى لحظة الإدراك السعودي المتأخرة لخطورة هذا المسار. وفيما يلي نص التقرير الذي نشرته صحيفة يني شفق:

لا تقتصر تقلبات المناخ على فصول السنة فحسب؛ ففي بعض الأحيان، نشهد دورات مناخية تمتد لسنوات، تتراوح بين سنوات عجاف من الجفاف، وأخرى تعقبها شتاءات قاسية وهطول الثلوج بغزارة. وحين ينقطع الثلج فجأة، نسارع إلى تسمية الأمر بـ “التغير المناخي” دون تفكير، متوهمين أن كل شيء قد تبدل تماماً، وناسين أن للمناخ دوراتٍ تمتد لعدة سنوات. نقول مثلاً: “لم نشهد شتاءً كهذا منذ سنوات”. وحين يغطي الثلج مراكز المدن بنحو نصف متر تعود بنا الذاكرة إلى الثلوج التي شهدناها في الماضي البعيد،، لندرك أنه لا شيء يُنسى تماماً، وأن لكل أمر عودة. فالمولى عز وجل، الذي ينزل الثلج والمطر، يمنح الشمس أو يحجبها متى شاء وأينما أراد. غير أن ذاكرة الإنسان ضعيفة، ونفسه جبلت على العجلة، فيظن أن اللحظة التي يعيشها هي أبدية. إن “أيام الله” تدور وتتداول بين الناس؛ فالمناخات تتبدل، والظلم الذي ظُنّ أنه لن ينقضي يزول، والظلمة تنقشع بضياء الفجر، ويشرق النور من قلب الثلج.

ولا يختلف الحال في العلاقات الاجتماعية والدولية؛ فكثيرون يظنون أن النظام العالمي القائم ثابت لا يتزعزع، وأن ظلم الطغاة فيه باقٍ، ومعاناة المظلومين قدر لا مفر منه. أيامٌ يسودها الكبرياء والغطرسة من قِبل الظالمين، والشقاء والمعاناة للمظلومين. ولكن انجراف هذا النظام في طوفان مفاجئ يقلبه رأساً على عقب ليس إلا مسألة وقت. فمن السنن التاريخية الإلهية أن يرفع الله المظلومين والمستضعفين فوق أمواج ذلك الطوفان، ليتبوؤوا الصدارة في نظام جديد.

إن التوتر الذي طرأ بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في الأيام الأخيرة من العام، تسبب في هز أركان “نظام” ترسّخ في هذه المنطقة وتسبب في أزمات كبرى، ومظالم، وسقوط ضحايا، وغطرسة في القوة، بل وفتح الباب أمام التوسع الصهيوني الإسرائيلي. لقد أُسس تحالف”عاصفة الحزم” الذي أدى لظهور هذا النظام قبل 11 عاماً، بهدف دحر الحوثيين المدعومين من إيران بعد سيطرتهم على العاصمة صنعاء، وإعادة تنصيب الحكومة الشرعية، وبالتالي تحجيم النفوذ الإيراني وضمان أمن الحدود السعودية. لكن بمرور الوقت، عجز هذا التحالف عن دحر الحوثيين؛ بل على العكس، ازدادت قوتهم وأصبحوا قادرين على شن هجمات في العمق السعودي متى شاؤوا. ومع تعذر دحر الحوثيين، استحالت إعادة إرساء السلطة الشرعية، وبات أمن المملكة العربية السعودية عرضة للتهديد أكثر من أي وقت مضى.

في واقع الأمر، انحرف “التحالف” عن أهدافه التأسيسية منذ البداية، مدفوعاً بتوجس من أن يؤدي دحر الحوثيين إلى تعبيد الطريق أمام “حزب الإصلاح” لتصدر المشهد. ورغم أن “حزب الإصلاح” كان القوة الوحيدة الميدانية القادرة على مواجهة الحوثيين، إلا أن هاجس منع صعوده كبديل حتمي طغى على مهمة ردع الحوثيين أنفسهم. وهي حقيقة يدركها القاصي والداني في الميدان؛ فلو لم يكن أعضاء التحالف مهووسين بحزب الإصلاح منذ البداية، لكانت الأزمة قد حُسمت في وقت أبكر بكثير. غير أن “رهاب الإخوان” التي تملكهم في أعقاب ثورات الربيع العربي جعلت الأمور أكثر تعقيداً، مما أدى إلى حالة من الاستعصاء السياسي المزمن، وفوضى عارمة، وأزمة إنسانية؛ حرب أهلية خلفت عشرات الآلاف من الأطفال ماتوا جوعاً، وأجبرت ملايين المدنيين اليمنيين على الهجرة من بلادهم.

لقد أدت الحرب الأهلية المطولة إلى خلق توازنات دولية جديدة؛ فما يحدث في اليمن لم يعد مجرد حرب أهلية بين أطراف محلية أو صراع كلاسيكي بين “الشرعية” و”الانقلاب”. بل تحولت البلاد إلى مسرح لصراعات إقليمية ودولية متداخلة، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والاقتصادية والملاحية، وتتصارع مشاريع النفوذ المتضادة.

وفي خضم ذلك، ورغم دخول السعودية والإمارات الحرب عام 2015 تحت سقف واحد وشعارات متطابقة، إلا أن حساباتهما وسياساتهما المتعلقة بالتحالف تباعدت بشكل جذري. فقد بدأت الإمارات بتنفيذ أجندة خاصة في اليمن، اعتبرتها السعودية تهديداً مباشراً لمصالحها؛ حيث عمدت أبو ظبي إلى دعم قوى مسلحة خارج إطار الدولة في جنوب اليمن، وشكلت أجهزة أمنية وعسكرية تدين لها بالولاء، توجتها بكيان سياسي تحت مسمى “المجلس الانتقالي الجنوبي”.

وكشفت السنوات اللاحقة أن وحدة الهدف لا تعني بالضرورة وحدة المشروع. فبالنسبة للرياض، لم يعد هذا المشروع الانفصالي يهدد وحدة اليمن فحسب، بل رأت في تمدد “المجلس الانتقالي” شرقاً اقتراباً خطيراً من خطوطها الاستراتيجية.

والحقيقة أن هذا التباين بدأ بالظهور منذ أمد بعيد؛ فالدور الإماراتي لم يقتصر على اليمن، بل امتد لتأجيج الحرب الأهلية في السودان عبر دعم “قوات الدعم السريع”، التي ارتكبت مؤخراً جرائم إنسانية جسيمة في “الفاشر”. كما لم يعد سراً أن الإمارات هي من هندست البنية التحتية الدبلوماسية للاعتراف بـ “أرض الصومال”، وأرست قواعد العلاقة بين إسرائيل وهذا الكيان الانفصالي.

وليس من الصعب الاستنتاج أن المسار الذي أفضى إلى الاعتراف بـ”أرض الصومال” هو ذاته المسار الذي تسير فيه اليوم مدينة الفاشر. إنها خطة إماراتية إسرائيلية تهدف إلى اعتراف متزامن بهذه الكيانات الثلاثة (في السودان واليمن والصومال)، ومن ثم اصطفافها جميعاً في طابور “تطبيع” العلاقات مع إسرائيل.

والحق أن صمت السعودية الطويل تجاه كل هذه “المشاريع الحرة” لشريكتها كان يثير الاستغراب. فالإمارات تتصرف وكأنها الشريك الأقوى لإسرائيل في كل تحركاتها التوسعية داخل العالم الإسلامي وأفريقيا.

وقد عُزيَ إقدام الإمارات على هذه الخطوات الكبرى بمعزل عن شريكها في التحالف، وكذلك هذا الصمت السعودي الطويل، وفق بعض التقديرات، إلى كون الطرفين يتحرّكان ضمن المحور نفسه مع الولايات المتحدة وإسرائيل. إلا أن المؤكد هو أن الرياض لا يمكنها تحقيق أي مصلحة من هذا الحصار الذي يفرضه الثنائي الإماراتي الإسرائيلي حولها، بل من المستحيل ألا تستشعر تهديداً وجودياً جراء ذلك.

يبدو أن حجم هذا التهديد قد اتضح أخيراً بما يكفي؛ إذ وجهت المملكة العربية السعودية، عبر مذكرة رسمية صادرة مباشرة عن الملك سلمان بن عبد العزيز، طلباً للإمارات بـ “سحب قواتها من اليمن خلال 24 ساعة”. وبالتزامن مع ذلك، قامت القوات السعودية باستهداف أسلحة ومركبات مدرعة إماراتية وقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.

إن صدور هذا الإنذار من الملك سلمان شخصياً يُظهر مدى جدية الأمر، وهو ما تجسد بالفعل في إعلان الإمارات انسحابها من التحالف وإنهاء عملياتها العسكرية في اليمن بعد أقل من 24 ساعة. ولكن ثمة شكوك قوية حول مدى التزامها بهذا الوعد؛ إذ يُعرف عنها إدارتها لعمليات فعلية في دول عديدة دون أن تبناها رسمياً.

ورغم ذلك، فإن شعور السعودية بالتهديد تجاه التوسع الإسرائيلي، وتحركها في مواجهة تحوّل تحالفها مع الإمارات إلى إطار منفصل ومخادع، يُعد إشارة إلى “تغير مناخي” مُبشر. ومن خلال حديثي مع يمنيين كُثُر، لمست عندهم جميعاً فرحة عارمة وشعورا بالتفاؤل؛ صحيح أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، إلا أنها خير من ألا تأتي أبداً.

وبالطبع، يمكننا أن نعزو هذا التطور أيضاً إلى الرياح التي لا تزال تهب بفعل “طوفان الأقصى”.

شاركها.