اخبار تركيا

تناول تقرير بصحيفة يني شفق التركي للكاتب والبرلماني السابق ياسين أقطاي، وقائع مؤتمر “غزة.. مسؤولية إسلامية وإنسانية” الذي عُقد في إسطنبول بمشاركة أكثر من 150 عالمًا من 50 دولة، حيث أعلن المجتمعون بيانهم الختامي من أمام جامع آيا صوفيا بعد صلاة الجمعة.

ووفقا لأقطاي، ركّز البيان على رفض أي دعوات لنزع سلاح المقاومة الفلسطينية، والتأكيد على حق الشعب في جميع أشكال المقاومة بما فيها المسلحة، إضافة إلى الدعوة العاجلة لكسر الحصار عن غزة، وخاصة من الجانب المصري.

كما وجّه المؤتمر انتقادات لتقاعس الدول الإسلامية المجاورة، وعلى رأسها مصر، في حين دعا العلماء إلى تنظيم مظاهرات واحتجاجات سلمية تضامناً مع غزة، مع التشديد على أنّ إسرائيل هي التهديد الحقيقي للبشرية وليست المقاومة.

وفيما يلي نص المقال:

اجتمع أكثر من 150 عالمًا مسلمًا من 50 دولة في مؤتمر “غزة.. مسؤولية إسلامية وإنسانية”، الذي عُقد لمدة 8 أيام في “جزيرة الديمقراطية والحرية” بإسطنبول. وفي اليوم الأخير من مشاوراتهم، أعلنوا النتائج التي توصلوا إليها للعالم من أمام جامع آيا صوفيا، بعد صلاة الجمعة. وكما أشرنا سابقًا، لم يكن هذا اللقاء هو الأول ولا الأخير لهؤلاء العلماء لنصرة غزة، فهم منذ البداية، فرادى أو في إطار اتحاد العلماء، عملوا جاهدين من أجل غزة. وما يميز هذه المبادرة هو أنها جاءت في هذه المرحلة الحاسمة لترسل رسالةً للعالم أجمع بأن العالم الإسلامي موجودٌ بأبنائه وعلمائه، وأنّه رغم الألم والخجل والصرخات التي يطلقه قلبه النازف في غزة، يحاول بذل كل ما في وسعه ليؤدي واجبه.

وافتتح البيان الختامي البروفيسور الدكتور علي أرباش، وتلاه باللغة العربية رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين البروفيسور الدكتور علي محيي الدين القره داغي، فيما قرأ نسخته التركية رئيس وقف علماء المسلمين البروفيسور الدكتور نصر الله حجي مفتي أوغلو. وقد حظي البيان، الذي قُرئ أمام جامع آياصوفيا باهتمام واسع من وسائل الإعلام المحلية والدولية. كما قدمت الحشود الخارجة من صلاة الجمعة دعماً جماهيريًا قوياً للبيان الصحفي من خلال هتافات وشعارات متفرقة.

وقبل إعلان البيان الصحفي، ألقى البروفيسور الدكتور محمد غورمز خطبة الجمعة في جامع آيا صوفيا. وفي خطبته المؤثرة والصادقة، خاطب الصهاينة أولًا، ثم العالم الإسلامي، ثم العالم أجمع، وأخيرًا أهالي غزة. فقد خاطب الصهاينة مؤكداً أن نهايتهم باتت وشيكة، وأن الجرائم الفادحة التي يقترفونها اليوم قد كشفت للعالم أجمع أنهم قوم استحقوا الهلاك بما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. وفي خطابه للعالم الإسلامي، وبالأخص الدول المجاورة لغزة، حمّلها وزر تقاعسها، بل وفضح عار مواقفها المخزية حين لم تكتفِ بعدم مدّ يد العون، بل عرقلت أحياناً وصول المساعدات إلى غزة المحاصرة. وأما في خطابه الموجّه إلى أهل غزة، فقد عبّر عن شعورنا جميعاً بالخجل، وعن عجزنا عن فعل أي شيء سوى أن نقول قاله النبي ﷺ لعمار بن ياسر: “إن عادوا فعد”. وشدّد على أن هذا الشعب الباسل قد علّم الأمة، بل والإنسانية جمعاء، أسمى مراتب الكرامة والشرف والإيمان.

غير أن كل ما يُفعل أو يُقال من أجل غزة يبقى قاصراً في نهاية المطاف عن إيقاف الإبادة الجماعية الصهيونية، مما يجعله يتحول إلى تعبير عن العجز بعد مرحلة معينة. ولهذا فحتى اجتماع العلماء يُثير في النهاية تساؤلات حول ما يتضمنه فعلياً من إجراءات ملموسة قادرة على كبح إسرائيل. فالقاصي والداني يعلم أن إسرائيل لم تعد تفهم غير لغة القوة، وأن السبيل الوحيد لردعها هو استخدام القوة ضدها. وبالتالي، من الطبيعي أن يُنتظر من العلماء ما يتجاوز موقعهم ودورهم التقليدي في التعامل مع هذه القضية. وعلى الأرجح لو أتيحت لهم الفرصة لوجدتهم لاندفعوا إلى ساحة المعركة، فهم مشحونون عزماً وإيماناً، لكن يبقى السؤال المرير: من أين يكون البدء؟ وكيف السبيل؟

ومن أبرز النقاط التي تضمنها البيان هو “الدعوة العاجلة والحاسمة لكسر الحصار البري والجوي والبحري المفروض على غزة”. هذا النداء موجه في الحقيقة إلى طرف محدد، ليس إسرائيل، بل مصر، الدولة الوحيدة المجاورة لغزة. فلا مبرر اليوم لإغلاق مصر معبر رفح، إلا بهدف ضمان أمن إسرائيل (وليس أمنها الخاص). مبررها الوحيد هو التواطؤ مع إسرائيل. فمصرلا تمنع دخول المساعدات الدولية فحسب، بل تقمع أيضًا جهود التضامن التي يقوم بها شعبها من أجل غزة، وذلك عبر إجراءات أمنية مشددة. ومع ذلك لا يُطلب من الدولة المصرية أن تفعل أي شيء سوى أن تطلق العنان لشعبها، وهذا وحده سيكون كافيًا وزيادة. إن منع ملايين المصريين المستعدين للتوجه إلى معبر رفح، يُمثل أكبر دعم تُقدمه مصر لإسرائيل.

وفي هذا السياق، فإن الدعم الذي يقدّمه نظام السيسي للكيان الصهيوني بولاء وحماس كبير يُعدّ أحد أهم أسباب صورة العجز التي يظهر بها العالم الإسلامي اليوم. إن هذا الدفاع المتهافت الذي تقدمه مصر لمنع مواطنيها وشعوب العالم من الوصول إلى معبر رفح، يُعتبر من أكثر العوامل التي تشجّع إسرائيل على عدوانها اللاإنساني.

في الحقيقة، لا يقتصر الأمر على مصر فقط، فشعبا الأردن والسعودية أيضًا لا يتمتعان بحرية التعبير عن تضامنهما مع غزة. ولذلك، تضمن البيان الختامي دعوة للعلماء “‘الى قيادة تنظيم المظاهرات والاحتجاجات الواسعة”، وضرورة أن “تحترم الدول حقوق مواطنيها المدنية، وخاصة حرية التعبير والحق في التظاهر السلمي، ورفع القيود المفروضة عليها”. كما أشار البيان إلى أن “هذا مطلب تفرضه التزامات الدول بموجب المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي هي طرف فيها”.

إن الجانب الأكثر إيلامًا في الأمر هو أن الدول المعنية نفسها تحتجز في سجونها اليوم علماء مسلمين ظلمًا وعدواناً، والذين كانوا وما يزالون أشدّ الناس إخلاصاً في مؤازرة أهل غزة،. فبأي تحركات دبلوماسية يمكن تحفيز هذه الدول لتقديم الخير لغزة؟ الله أعلم.

يمكنكم قراءة التفاصيل الأخرى لبيان العلماء في صفحات وسائل الإعلام اليوم، لذا سأتجاوزها، ولكن لا يمكنني أن أتجاوز النقطة الأولى والمهمة جدًا. ففيها رسالة إلى الأطراف التي تسعى إلى نزع سلاح المقاومة في غزة، أو التي تتهاون في المفاوضات أمام المقترحات اللاأخلاقية وهي : الرفض القاطع لكل دعوة لنزع سلاح المقاومة، والتأكيد الجازم على حق الشعب الفلسطيني المشروع في جميع أشكال المقاومة بما فيها المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الصهيوني، واستنفار الأمة للجهاد في سبيل الله بكافة أشكاله.

لقد حان الوقت لكي يُدرك الجميع موقف الرئيس أردوغان من حركة حماس، حين شبهها بـ”القوات الوطنية التركية” . فمقاتلوها ليسوا سوى أحرار يقاومون لتحرير وطنها من المحتلين. لا يمكن لأحد أن يصف المقاتلين من أجل الحرية، الذين يمارسون حقهم في مقاومة القوة الصهيونية التي اعترف الجميع بارتكابها جرائم إبادة جماعية، بـ”الإرهابيين”، أو أن يتحدث عن نزع سلاحهم. وإذا كان هناك من يجب نزع سلاحه، فهو إسرائيل. فهي التي تُشكل تهديدًا للبشرية وليست حماس. إذ بات واضحًا أنّ القوة التي تسخّر السلاح لا لحماية الإنسان بل لارتكاب الجرائم وفرض التهديد، هي إسرائيل.

شاركها.