حسناء جوخدار اخبار تركيا

ليست الأمة التركية غريبة عن القارة الإفريقية، إذ تعود جذور الحضور التركي في إفريقيا إلى مراحل مبكرة من التاريخ الإسلامي، وتحديدًا منذ عهد الدول والممالك التي حكمت بين عامي 1260 و1517م. ففي كنف هذه الكيانات السياسية، وقف العرب والأتراك والأفارقة جنبًا إلى جنب داخل الجيوش والإدارات، ما أفرز حالة من التعايش المشترك والتأثير المتبادل استمرت قرونًا طويلة، وأسهمت في نشوء مجتمعات تركيةإفريقية ذات هوية ثقافية مركبة.

ويشير كتاب صادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية تحت عنوان “اليد الصديقة الممدودة من تركيا إلى أفريقيا”، إلى أن الأتراك، شأنهم شأن غيرهم من الشعوب الإسلامية،خلّفوا إرثًا معماريًا بارزًا في المناطق التي استقروا فيها. ويُعد مسجد أحمد بن طولون في القاهرة، الذي شُيّد عام 879م، أحد أبرز الشواهد على العمارة التركية الإسلامية المبكرة في القارة الإفريقية، ورمزًا خالدًا لحضور معماري ما يزال قائمًا حتى اليوم.

ووفقا لمعطيات واردة في الكتاب، فإنه مع قيام الدولة العثمانية، التي امتد سلطانها عبر ثلاث قارات، ترسّخ الوجود التركي في شمال إفريقيا وعلى السواحل الشرقية للقارة، حيث استمر الحكم العثماني في هذه المناطق لأكثر من أربعة قرون. وفي أواخر القرن التاسع عشر، أُسست مديرية خط الاستواء التابعة لولاية السودان، وامتد نفوذها حتى مناطق “دي جوره” وصولًا إلى خط الاستواء جنوبًا.

كما اضطلعت الدولة العثمانية بدور محوري في مواجهة الأطماع الاستعمارية الأوروبية في إفريقيا، حيث وقفت إلى جانب قوى محلية وإسلامية عدة، من بينها سلطنة برنو في إفريقيا الوسطى، والحركة السنوسية في ليبيا، وسلطنة دارفور في السودان، ودولة الدراويش في الصومال، في سياق مقاومة التغلغل الاستعماري الغربي.

وقد نشأت روابط متينة بين الدولة العثمانية والمجتمعات الإفريقية، لا تزال بعض ملامحها حاضرة في الذاكرة الشعبية. ففي مدينة أغاديس بالنيجر، تتناقل رواية شفهية مفادها أن زعماء الطوارق أرسلوا في بدايات القرن الخامس عشر بعثة إلى السلطان العثماني طالبين إرسال قائد يحكم المدينة. وبحسب الرواية، استجاب السلطان وأوفد أميرًا يُدعى يونس، يُعتقد أنه أسّس إمارة أغاديس، التي عُرفت لاحقًا باسم “إمارة إسطنبوليو”، أي “القادمين من إسطنبول”.

ومن الشواهد الأخرى على عمق التأثير العثماني في إفريقيا، ما يعكس طبيعة العلاقة بين مسلمي نيجيريا وإسطنبول، حيث وجّه الشيخ محمد شيتا، زعيم المجتمع الإسلامي في لاغوس، دعوة عام 1894 إلى السلطان عبد الحميد الثاني لحضور افتتاح مسجده الكبير. ورغم تعذر حضور السلطان، فقد أوفد ممثله عبد الله كويليام، محمّلًا بهدايا قيّمة، ومنح الشيخ محمد شيتا لقب “بك”، وهو اللقب الذي ظل متوارثًا في أسرته حتى اليوم. وقد شكّل مسجد محمد شيتا بك، المعروف أيضًا بـ“المسجد التركي”، مركزًا دينيًا وتعليميًا بارزًا أسهم في ترسيخ الإسلام في نيجيريا.

وامتد الحضور العثماني ليصل إلى جنوب إفريقيا عبر بعثة دينية ترأسها الشيخ أبو بكر أفندي، الذي أُوكلت إليه مهمة تعليم الجالية المسلمة هناك، والتي قُدّر عددها آنذاك بنحو ثلاثة ملايين مسلم، في ظل الإدارة البريطانية. وكان هؤلاء المسلمون قد طلبوا عام 1861 من الحاكم العام البريطاني مخاطبة الدولة العثمانية، التي اعتبروها حامية العالم الإسلامي، لإيفاد عالم يُدرّسهم تعاليم الدين على نحو صحيح.

وبموافقة السلطان عبد العزيز، وصل أبو بكر أفندي إلى كيب تاون عام 1863، حيث حظي باستقبال حافل. وأسّس مركزين تعليميين، أحدهما للذكور والآخر للإناث، وتعلّم اللغتين الأفريكانية والإنجليزية لتعزيز تواصله مع المجتمع المحلي، كما قام بمهام دعوية في موزمبيق، وألّف كتبًا باللغة المحلية. وتوفي عام 1880 بعد أن أسهم إسهامًا كبيرًا في الحفاظ على الهوية الإسلامية لمسلمي جنوب إفريقيا وإنهاء الخلافات المذهبية بينهم. ولا تزال المؤسسات التعليمية التي أسسها تُعد من أوائل معالم التعليم الديني في المنطقة، كما أسس طلابه نادي الكريكيت العثماني الشهير في كيب تاون، الذي ما يزال قائمًا حتى اليوم.

وفي عام 1914، عيّنت الدولة العثمانية الدبلوماسي محمد رمزي باي قنصلًا عامًا لها في جوهانسبورغ، ليكون أول دبلوماسي مسلم يشغل هذا المنصب في المنطقة. وقد لقي تعيينه ترحيبًا واسعًا من الجالية المسلمة، إلا أن السلطات البريطانية اعتقلته خلال الحرب العالمية الأولى، قبل الإفراج عنه عام 1916، ليتوفى بعدها بقليل ويُدفن في مقبرة المسلمين في براامفونتين. ولا يزال مسجد الحميدية في جوهانسبورغ يحتفظ بشهادة تكريم لذكراه.

كما برز أفارقة كُثر في مؤسسات الدولة العثمانية، من بينهم الطيار الحربي ذو الأصول النيجيرية أحمد علي تشيليكتن (18831969)، الذي يُعد أول طيار أسود البشرة في التاريخ، وأحد اثنين فقط من الطيارين السود الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى.

وبعد تأسيس الجمهورية التركية، حافظت أنقرة على اهتمامها بإفريقيا رغم محدودية الإمكانات، فافتتحت سفارات مبكرة في مصر (1925) وإثيوبيا (1926). وخلال الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا، كان من بين كبار مستشاري الإمبراطور هيلا سيلاسي جنرال تركي هو وهيب باشا، الذي أشاد به مصطفى كمال أتاتورك في كتابه “الخطاب”.

ورغم انضمام تركيا لاحقًا إلى حلف الناتو، فإنها انتهجت سياسة متوازنة تجاه إفريقيا، وقدّمت دعمًا سريًا لجبهة التحرير الوطني الجزائرية خلال حرب الاستقلال، ودعمًا دبلوماسيًا لزيمبابوي وزامبيا. وشكّلت زيارات رسمية لاحقة، من بينها زيارة الرئيس جودت سوناي إلى إثيوبيا عام 1969، ثم زيارات تورغوت أوزال ونجم الدين أربكان، محطات مفصلية في إعادة بناء العلاقات التركيةالإفريقية.

وتُوّج هذا المسار عام 1997 بتأسيس منظمة الدول الثماني النامية (D8)، التي ضمّت تركيا ونيجيريا ودولًا إسلامية أخرى، في خطوة عكست إرادة مشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين إفريقيا وتركيا، وهي مبادرة لاقت صدى واسعًا داخل القارة الإفريقية، وما تزال قائمة حتى اليوم.

عن الكاتب


شاركها.