من التجارة إلى رئاسة بلدية إسطنبول ثم السجن بسبب الفساد.. محطات أكرم إمام أوغلو

اخبار تركيا
دخل أكرم إمام أوغلو عالم السياسة قادمًا من قطاع التجارة والأعمال، وبرز نجمه مع توليه رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى عام 2019. كان يستعد للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في تركيا، قبل أن يتورط في قضايا فساد كشفت عنها تحقيقات قضائية، وأدت إلى اعتقاله وسجنه على ذمة المحاكمة.
وإمام أوغلو رجل أعمال وسياسي تركي، ولد عام 1970، أحد أبرز قياديحزب الشعب الجمهوري، تم انتخابه رئيسا لبلديةإسطنبولالكبرى، في دورتين انتخابيتين متتاليتين للفترة ما بين 2019 و2028، نفذ أثناءها العديد من مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في المدينة، بحسب تقرير لـ “الجزيرة نت”.
وقد تمت ملاحقته بجملة من الدعاوى القضائية منذ العام 2019، وأُلغيت شهادته الجامعية، واعتقلته الشرطة التركية في مارس/آذار 2025، على خلفية اتهامات “بجرائم تتعلق بالفساد المالي والإرهاب”.
المولد والنشأة
ولد أكرم حسن إمام أوغلو في 4 يونيو/حزيران 1970 في قرية جيفيزلي التابعة لقضاء أكشابات بولاية طرابزون شمالي شرقتركيا، وقد ترعرع في قرية جيفيزلي ثم يلديزلي التي انتقلت إليها عائلته عندما كان في الرابعة من عمره.
تربى في عائلة صغيرة نسبيا، فليس له إلا شقيقة واحدة (نسليهان)، تصغره بأربع سنوات، وكان والده حسن وأمه حواء من أبناء العائلات الريفية في المنطقة، ولكن والده اختار الابتعاد عن الزراعة، والانخراط في قطاع الأعمال.
وكانت البيئة التي نشأ فيها أكرم إمام أوغلو ريفية بسيطة، يغلب عليها الطابع الديني المحافظ، الذي يسود مناطقالبحر الأسود، وتبرز فيها أهمية التقاليد والترابط العائلي، وكان والده محافظا، وساهم في تأسيس حزب الوطن الأم في ولاية طرابزون، المحسوب على تيار اليمين.
وفي عام 1995 تزوج من ديليك كايا، وهي متخصصة في السياحة والاقتصاد، ولهما ثلاثة أبناء: محمد سليم، المولود عام 1997، وسميح المولود عام 2005، وأصغرهم بيرين التي ولدت عام 2011.
الدراسة والتكوين العلمي
درس إمام أوغلو مرحلتي الابتدائية والإعدادية في أكشابات، ثم تخرج في مدرسة طرابزون الثانوية، ورغم قبوله في قسم الهندسة المدنية بجامعة شرق البحر الأبيض المتوسط في جمهورية شمال قبرص، غير أنه التحق بكلية الاتصالات، قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية في جامعة جيرني الأميركية الخاصة بجمهورية شمال قبرص، ودرس فيها عامين.
وبسبب استقرار أسرته في إسطنبول منذ العام 1987، فضّل إمام أوغلو إكمال دراسته في المدينة نفسها، فانتقل للدراسة في قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية في جامعة إسطنبول، وتخرج فيها عام 1994، ثم تابع في جامعة إسطنبول مرحلة الماجستير في الإدارة والموارد البشرية.
وفي مراحل دراسته جميعها، كان إمام أوغلو عضوا نشطا في النوادي الرياضية، وقد مارس لعبة كرة اليد منذ المرحلة الابتدائية، ثم اتجه لممارسة كرة القدم، ولعب في فريق مدرسة طرابزون الثانوية، وواصل اهتماماته الرياضية في المرحلة الجامعية، إذ كان حارس مرمى نادي تورك أوجاي ليماسول الرياضي في جمهورية شمال قبرص التركية.
الفكر والأيديولوجيا
انتمى في مقتبل حياته إلى الفكر اليميني المعتدل، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى نشأته المحافظة، وقد انضم في التسعينيات إلى حزب الوطن الأم، وهو حزب يميني ليبرالي.
لكنه غيّر اتجاهه لاحقا، وبدأ يتبنى “القيم الديمقراطية الاجتماعية” على حد قوله، وفي عام 2008، انضم إلى حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب علماني يساري التوجه، يسير وفق الفكر الذي رسمه مؤسس الجمهورية التركيةكمال أتاتورك.
ومع ذلك بقي لدى إمام أوغلو ارتباط بخلفيته المحافظة، التي كان حريصا على إبرازها بين الحين والآخر، لا سيما أثناء حملاته الانتخابية.
المسار المهني
بدأ مسيرته المهنية في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وكان ما يزال طالبا في المرحلة الجامعية، فعمل في فرع الشباب بحزب الوطن الأم مدة عام واحد، وفي الوقت نفسه أدار متجرا لبيع كرات اللحم في غونغورين بإسطنبول الأوروبية.
وفي عام 1992 بدأ العمل في شركة عائلته، المتخصصة في مجال البناء والمقاولات، وشغل فيها منصب رئيس مجلس الإدارة، ونفذ مشاريع إسكان في مناطق مختلفة، وخاصة في منطقة بيليك دوزو، أحد أحياء الجزء الأوروبي من إسطنبول.
واستغل إمام أوغلو موهبته الرياضية في مجال العمل، ففي عام 2002، بدأ المشاركة في إدارة نادي طرابزون سبور، ونادي طرابزون سبور لكرة السلة، ولاحقا، عمل مديرا في نادي بيليك دوزو سبور.
التجربة السياسية
أما مشواره السياسي فقد بدأه عام 2008، حين انضم لحزب الشعب الجمهوري، وفي العام التالي، انتُخب رئيسا لحزب الشعب الجمهوري في منطقة بيليك دوزو، ثم أعيد انتخابه في العام 2012.
لكنه قدم استقالته في عام 2013، تمهيدا لخوض الانتخابات البلدية، وفي عام 2014، دخل المعترك الانتخابي، وفاز برئاسة بلدية بيلك دوزو، وحصل على أغلبية الأصوات، بنسبة وصلت إلى 50.8%.
وفي فترة رئاسته للبلدية التي استمرت خمس سنوات، نشط في الحياة الاجتماعية والثقافية في بيليك دوزو، ونفذ العديد من المشاريع التي ساهمت في تنمية المنطقة، وأحدثت تغييرا إيجابيا في الحياة الاجتماعية وخدمات البنية التحتية ومستوى المعيشة، وهو الأمر الذي نال استحسان السكان، ولفت نظر وسائل الإعلام والإدارة العليا للحزب.
وأصبح إمام أوغلو عضوا في العديد من المنظمات غير الحكومية، مثل الهلال الأحمر وجمعية الفكر الأتاتوركي في بيليك دوزو وجمعية دعم الحياة المعاصرة في بيليك دوزو.
رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى
قدم إمام أوغلو ترشحه لمنصب رئيس بلدية إسطنبول الكبرى في عام 2017، بعد إعلان رئيس البلدية آنذاك قادر طوباش استقالته، لكنه خسر أمام مولود أويصال، مرشححزب العدالة والتنمية.
وفي الدورة الانتخابية لعام 2019، تم ترشيحه عن حزب الشعب الجمهوري لرئاسة البلدية، وفي نهاية مارس/آذار، فاز في الانتخابات، وباشر مهامه رئيسا لبلدية إسطنبول الكبرى في أبريل/نيسان.
ولكن حزب العدالة والتنمية قدم اعتراضا على نتائج الانتخابات، وقبل المجلس الأعلى للانتخابات في 6 مايو/أيار الاعتراض، وألغى نتائج الانتخابات وأُلغيت ولاية إمام أوغلو، وعُيّن والي إسطنبول علي يرلي كايا رئيسا للبلدية بالنيابة.
وتمت إعادة الانتخابات بعد نحو ثلاثة أشهر في 23 يونيو/حزيران، وكانت النتيجة فوز إمام أوغلو من جديد، وبأغلبية الأصوات، إذ حصد 54% من مجموع الأصوات، بفارق 6 نقاط أعلى مقارنة بالانتخابات الملغاة.
وعلى الرغم من انتمائه لحزب الشعب الجمهوري، ذي التوجه العلماني، كثيرا ما حاول إمام أوغلو، في حملاته الانتخابية، لفت النظر إلى خلفيته المحافظة، فأثناء حملته الانتخابية عام 2019، شارك مقطع فيديو له على وسائل التواصل الاجتماعي مع والدته التي ترتدي الحجاب، وحضر حفلا بمناسبة ذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أقيم في حي السلطان أيوب، قرأ فيه سورة ياسين على أرواح الذين قتلوا في الهجوم على مسجدين في نيوزيلندا.
وفي الانتخابات المحلية التالية، التي أُجريت في مارس/آذار 2024، أُعيد انتخاب إمام أوغلو رئيسا لبلدية إسطنبول الكبرى مرة أخرى.
وأثناء فترات رئاسته، نفذ عشرات المشاريع التي تهدف إلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في المدينة، ومن أبرزها:
مشروع مطاعم المدينة: يهدف لإنشاء سلسلة مطاعم تقدم طعاما عالي الجودة وبأسعار معقولة مدعومة من بلدية إسطنبول الكبرى، وحتى مارس/آذار 2025، تم افتتاح 17 مطعما في جميع أنحاء المدينة.
مشروع النقل المجاني: أتاح المشروع للأمهات اللواتي لديهن أطفال عمرهم أقل من 4 سنوات، استخدام وسائل النقل العام مجانا، واستحدث لذلك بطاقة الأم، التي تم توزيع نحو 753 ألفا منها.
مشروع الخير في المنزل: ويقوم المشروع على إرسال المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية إلى العائلات المحتاجة المقيمة في إسطنبول.
مشروع ابق في المنزل، اكسب القلوب: مشروع خاص بتقديم خدمات الدعم لكبار السن والفئات المعرضة للخطر، الذين كان عليهم المكوث في منازلهم أثناء وباء كورونا.
مشروع الحليب المجاني: يقدم المشروع الحليب مجانا لأطفال الأسر المحتاجة، وحتى مارس/آذار 2025، تم تقديم 39 مليون لتر من الحليب مجانا، إلى أكثر من 288 ألف طفل.
مشروع تنظيف القرن الذهبي: تم تنظيف القرن الذهبي من أطنان من الطين، والحفاظ على البيئة الطبيعية المحيطة به.
وقد فاز إمام أوغلو في عام 2022 بجائزة مسابقة بلومبرغ العالمية لرؤساء البلديات، المخصصة للمشاريع “الأكثر جرأة وإبداعا”، والمقدرة بمليون دولار، عن مشروعه “الفاتورة المعلقة”، الذي بدأه عام 2021 أثناء وباء كورونا.
والمشروع عبارة عن موقع إلكتروني يسمح لمن لا يستطيع دفع فواتيره، بإدخالها في النظام، بحيث يقوم أحد المتبرعين بالدخول إلى النظام ودفع (الفاتورة المعلقة)، وبحسب بيانات الموقع الرسمي للمشروع، تم دفع أكثر من 465 ألف فاتورة، تبلغ قيمتها نحو 98 مليون ليرة تركية.
دعاوى وأحكام قضائية
في أعقاب ترؤسه بلدية إسطنبول الكبرى، لاحقت إمام أوغلو العديد من الدعاوى القضائية، التي كانت أولاها في عام 2019، فقد رُفعت ضده دعوى أمام المحكمة الجنائية في إسطنبول، بتهمة إهانة أعضاء المجلس الأعلى للانتخابات ووصفهم بـ “الحمقى”، على إثر القرار الصادر بإلغاء نتائج الانتخابات الأولى التي أجريت ذلك العام.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، حكمت عليه المحكمة بالسجن عامين و7 أشهر و15 يوما، ومنعته من ممارسة السياسة، واحتج إمام أوغلو على الحكم، واعتبره مكيدة سياسية، ورفع قضية استئناف، بقيت معلقة.
ووفق القانون التركي، إذا تمت الموافقة على القرار من قبل المحكمة العليا، يُمنع من ممارسة السياسة، لأنه محكوم بالسجن لأكثر من عام.
ويحظر القانون على الأشخاص الممنوعين من ممارسة السياسة، أن يكونوا أعضاء في أي حزب سياسي، أو الترشح للرئاسة، ويمكن لهم المشاركة في الانتخابات العامة البرلمانية أو البلدية بصفتهم مرشحين مستقلين.
وفي 18 مارس/ آذار 2025، ألغت جامعة إسطنبول شهادة البكالوريوس الخاصة بإمام أوغلو، بحجة انتهاك قرارات مجلس التعليم العالي، وقالت إن انتقاله إلى برنامج اللغة الإنجليزية في كلية إدارة الأعمال لم يكن قانونيا، وأعلنت بأنها سترسل جميع المعلومات والوثائق المتعلقة بالقرار إلى المدعي العام في إسطنبول ومجلس التعليم العالي.
وكان إمام أوغلو قد انتقل من جامعة جيرني الأميركية بعد عامين من الدراسة فيها، لإكمال مرحلة البكالوريوس في إدارة الأعمال في جامعة إسطنبول، وهو الأمر الذي اعتبرته الجامعة انتقالا غير قانوني.
واعترض إمام أوغلو على القرار، وعده قرارا سياسيا، وأعلن أنه سيرفع دعوى قضائية، قائلا: إن الشهادة أُلغيت بعد 31 عاما، بطريقة غير قانونية، وليس للجامعة صلاحية لفعل ذلك.
ويمنع هذا القرار إمام أوغلو من الترشح لرئاسة البلاد، التي كان من المقرر الإعلان عنها بعد أيام قليلة من القرار، لأن الترشح للرئاسة، يستوجب حيازة شهادة في التعليم العالي، وفق القانون التركي.
اعتقال وتهم بالفساد والإرهاب
اعتُقل إمام أوغلو في 19 مارس/آذار 2025، وذلك في إطار حملة اعتقالات واسعة، نفذتها شرطة إسطنبول، شملت نحو 100 شخص، بينهم سياسيون وصحفيون ورجال أعمال.
وتم تفتيش منزله الكائن في منطقة ساريير بإسطنبول، ومصادرة شركة “إمام أوغلو للإنشاءات والتجارة والصناعة المساهمة”، التي هو شريك فيها، بقرار من قاضي الصلح الجنائي، الذي استند في قراره إلى تحقيقات وحدة الجرائم المالية.
ووفق مكتب المدعي العام، تم فتح تحقيقين منفصلين بحق المعتقلين، أجراهما مكتب التحقيقات في الجرائم المنظمة ومكتب التحقيقات في جرائم الإرهاب، وتتمحور التهم الموجهة لإمام أوغلو والمتهمين الآخرين حول قضيتين رئيسيتين:
الإرهاب: إذ اتُهم إمام أوغلو بمساعدة جماعة إرهابية، وتوظيف أعضاء متعاونين ومتعاطفين مع منظمة إرهابية داخل وكالة تخطيط إسطنبول، التابعة لبلدية إسطنبول الكبرى، ودعم نشاطحزب العمل الكردستانيالمدرج في قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة في تركيا.
الفساد: اتهمت النيابة العامة إمام أوغلو بأنه “زعيم تنظيم إجرامي ربحي”، وأنه عيّن أشخاصا موالين له داخل بلدية إسطنبول الكبرى، شكّلوا هيكلا تنظيميا إجراميا، ارتكبوا من خلاله جرائم فساد مالي، من بينها التلاعب بالعطاءات والمناقصات والاحتيال والاستحواذ غير القانوني على البيانات الشخصية والرشوة والابتزاز والحصول على أرباح غير عادلة.
وكان من ضمن اتهامات النيابة العامة، استخدام مشروع “التوافق الحضري” التابع لبلدية إسطنبول الكبرى، لتنفيذ صفقات غير مشروعة، ومنح عقود ضخمة، بشكل غير قانوني، لشركات مملوكة لمقربين من مسؤولي حزب الشعب الجمهوري وحزب العمال الكردستاني.
وفي أعقاب اعتقال إمام أوغلو، فرض والي إسطنبول قيودا لمدة أربعة أيام في المدينة، بحجة “الحفاظ على النظام العام”، تتضمن منع التظاهر في المدينة حتى 23 مارس/آذار، وإغلاق بعض محطات المترو والطرق المهمة وسط المدينة، فضلا عن تقييد الوصول إلى العديد من تطبيقات التواصل الاجتماعي.
ورغم ذلك خرج متظاهرون إلى الشوارع والأماكن العامة، ورددوا شعارات داعمة لإمام أوغلو ومناهضة للحكومة وللرئيس التركيرجب طيب أردوغان، معتبرين ما يحدث قضية سياسية لا علاقة لها بالقانون، ورد أردوغان وحزبه هذه الادعاءات، مؤكدين استقلال القضاء التركي.