اخبار تركيا
قدم مقال للكاتب والمحلل التركينيدرت إيرسانال، قراءة جيوسياسية معمّقة لما تسميه أنقرة «العدسة التركية» في فهم التحولات الإقليمية، حيث يُنظر إلى إسرائيل بوصفها عنصرًا تفجيريًا دائمًا يسعى لإدامة الانقسام عبر أدوات انفصالية وشبكات متعددة من فلسطين إلى سوريا واليمن وإفريقيا.
ويربط المقال التحليلي بين تصاعد الوعي الإقليمي، وتشكّل نواة صلبة تقودها تركيا بالشراكة مع السعودية وباكستان وأذربيجان، في مواجهة منطق «فرق تسد». كما يضع هذه التحولات ضمن سياق النظام العالمي الجديد القائم على المجموعات، لا الهيمنة الأحادية.
ويرز الكاتب موقع تركيا كنقطة تقاطع جيوسياسية لا يمكن تجاوزها، ولا إدراجها في «قائمة الطعام»، بل كفاعل حاضر على الطاولة في صراعات الطاقة والتجارة وإعادة تقاسم العالم. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:
إن تحول تنظيم قسد/واي بي جي، ضمن تنسيق مباشر مع إسرائيل، إلى أداة تُوظّف في سياسة “فرق تسد” التي تنتهجها في منطقتنا، ليس أمرًا عابرًا ولا وليد الصدفة. لقد بدأنا ننظر إلى ما يجري في اليمن، وأرض الصومال، والسودان، وكل ما يحدث في سوريا، من المنظور نفسه وبالعدسة ذاتها. وهذا هو تقييمنا الاستراتيجي الخاص.
فهناك بنية تُبقي الانقسام والاحتلال قائمين في فلسطين، كما توجد مساعٍ لتعميق الاحتلال نفسه في لبنان. وفي مرحلة بدأ فيها العالم الإسلامي يستعيد توازنه، وشرع فيها بترك داعش خلفه في سياق مكافحة الإرهاب، وفي وقت يُفترض أن تتشكل فيه ظروف الاستقرار والرفاه والتكامل في المنطقة، فإن إصرار عقلٍ آخر على إبقاء الأنشطة الانفصالية على جدول الأعمال، ومحاولة تنسيقها جميعًا بعقل واحد، لا يمرّ من دون أن يلفت انتباهنا.
وربما، بالنظر إلى التطورات الأخيرة، يمكن إضافة ما يجري في إيران إلى هذه العدسة نفسها. ولو تُركت اللغة الدبلوماسية جانبًا، فإن أبسط صياغة لهذا الكلام هي: “هناك ورم خبيث في المنطقة، وهو إسرائيل”.
وفي المحصلة، فإن هذه العبارات التي أطلقها وزير الخارجية هاكان فيدان، في التوقيت ذاته الذي كان يستقبل فيه وزير خارجية عُمان بدر بن حمد البوسعيدي، تعبر بدقة عن الكيفية التي تفهم بها تركيا المنطقة.
وهناك، إلى جانب ذلك، تطورات أخرى تُعد المنطقة للنظام العالمي الجديد. على سبيل المثال: محور تركياالسعودية إذ تزامن ذلك مع استضافة القوات البحرية التركية لقادة عسكريين سعوديين. وهو أمر لافت. ومثال آخر: الدول التي تقف خلف هذا الخط، مثل قطر، وباكستان، ومصر، وأذربيجان.
وكذلك موقف إسلام آباد وباكو في التجاذبات المتعلقة بوجود تركيا ضمن “قوة غزة للمهام/السلام”.
ومن الأمثلة أيضًا: إظهار السعودية قوتها العسكرية في اليمن على نحو غير معهود، وطردها الإمارات العربية المتحدة ومعها شريكها الخفي إسرائيل. أو إدراك الولايات المتحدة لمعنى المخطط الإسرائيلي في أرض الصومال، بوصفها منطقة تمتد إلى السودان وتشكل مجالًا لأنشطة أخرى تقودها الإمارات.
وفي النهاية، فإن جميع هذه التطورات تمثل تحول ردود الفعل الإقليمية على السلوك الإبادي الإسرائيلي إلى أفعال ملموسة. وهناك أيضًا سياق يتمثل في عدم انسجام الحال الذي تريده أمريكاترامب في الشرق الأوسط مع إسرائيل. وكل هذه المسارات تتقاطع، وتلتقي ضمنيًا أو علنًا.
إن قيام الوزير فيدان بشرح “العدسة التركية” إلى جانبه ضيفه العُماني ليس بلا دلالة. فسلطنة عُمان نفسها تتحرك في اليمن بالتنسيق مع الرياض. أي إن هناك مجموعة مشتركة هناك أيضًا.
غير أن المجموعة المركزية هي: أنقرةالرياضإسلام آبادباكو، مع حضور الدوحة والقاهرة. وكذلك سوريا، والسودان، وليبيا، والصومال بطبيعة الحال. إن تشكل النواة الصلبة على هذا النحو لا يصف المنطقة وحدها، بل يحدّد أيضًا المسارات التي سترتبط بها: آسيا الوسطى، والجمهوريات التركية، وغرب آسيا، وإفريقيا، والبحر المتوسط.
المنظار الذي تستخدمه تركيا لرصد “المصادفات والتوقيتات ذات الدلالة” ليس هو التلسكوب نفسه الذي تراقب به الكرة الأرضية
لذلك على سبيل المثال قال الرئيس رجب طيب أردوغان:
“يبدو أن الاقتصاد العالمي يُساق بسرعة إلى معركة جديدة، يُتوقَّع أن تدور حول المعادن الثمينة وتكون شديدة الإيلام. ومن الواضح أن تنافسًا جديدًا على اقتسام العالم، وبصورة بالغة الشراسة، سيقع من أجل السيطرة على مصادر الطاقة وعلى طرق التجارة. لقد فقد الغرب واحدًا تلو الآخر جميع الأدوات التي استخدمها لسنوات في تأديب الدول الأخرى وتهديدها. نحن في قلب صراع تقسيم قاسٍ، حيث يُوضَع من ليس على الطاولة في قائمة الطعام”.
إن هذه التطورات، بما تحمله من انعكاسات كبيرة وصغيرة، تضيق الخناق على إسرائيل.
صوت إسرائيل دائمًا مرتفع ومسموع؛ فهذه سِمة من سمات “الميكانيكا اليهودية”. ولها أذرع طويلة. غير أن هناك أيضًا حقائق مادية باردة: إسرائيل لا تستطيع مواجهة البنية المذكورة أعلاه. وتزداد حياتها صعوبة إذا كان الدعم الأمريكي لها دعمًا ناقصًا ومهتزًا.
وحتى القراءات المتكررة في إعلامها، التي تقول في سياق الحديث عن تركيا: “بدأ هذا الأمر يتجاوز قدرتنا، وليس ممكنًا الصدام مع أنقرة إلى الأبد”، ينبغي فهمها في جوهرها بوصفها محاولات جسّ نبض أنقرة.
فهم، مثلًا، يظنون أنهم “يوجعون” تركيا عبر الاعتراف بأرض الصومال، أو بدعم تنظيم قسد/واي بي جي في سوريا، غير أن من يعملون على الصيغة المثلى للمنطقة لا يرون في ذلك سوى حالة “سُعار”. في الماضي، لم يكن أحد يلتفت أصلًا إلى طعنات إسرائيل من الخلف، فضلًا عن أن يراها.
لقد أشرنا إلى ذلك سابقًا إن مدخل النظام العالمي الجديد إلى عالم متعدد الأقطاب سيمر عبر “المجموعات”. نعم، سيمر عبرها، لكن هذه المجموعات، صغيرة كانت أم متوسطة، لا تتحرك خلافًا للمجموعة الكبرى.
وبعبارة أخرى، إذا كان هناك “فيروس إسرائيلي” في المنطقة، وإذا كانت السياسات الكبرى للولايات المتحدة لا تريد مثل هذه العدوى في المعمار الجديد للمنطقة، فإن المجموعات الفرعية ستتحرك منسجمة مع ذلك.
وهناك أيضًا دول تقع عند نقاط تقاطع هذه المجموعات. تركيا واحدة منها، بل هي في مقدمتها. فهي نقطة الالتقاء الطبيعية والقوية لمجموعات: البلقانأوروباالبحر الأسود، والقوقازبحر قزوينآسيا الوسطى، وشرق المتوسطالشرق الأوسطالبصرةغرب آسيا، والمتوسطإفريقيا.
وإن قول فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وهم يعددون الدول التي ستتولى مهام في أوكرانيا، إن تركيا ستقدم دعمًا عبر البحر الأسود، يقابل جيوسياسيًا وقوف باكستان وأذربيجان إلى جانب الوجود التركي في غزة.
وكذلك تقارب السعودية وقطر والولايات المتحدة مع تركيا في الملف السوري. فهذه كلها، في الوقت نفسه، تمثل طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي أشار إليها الرئيس، والتي تتحول، مع تصاعد حدّة المنافسة على التقاسم، إلى عواصف عاتية.
وبوصفها لاعبًا ثابتًا في المجموعات المشتركة، لم يعد ممكنًا إدراج تركيا في “قائمة الطعام”. فهي بطبيعة الحال على الطاولة. غير أن الطاولات كثيرة، والأحجار لم تستقر بعد. وعلى تركيا أن تحافظ على مجموعاتها، ليس مع الولايات المتحدة فحسب، بل مع روسيا أيضًا، ومع الصين بقدر ما تفعل مع أوروبا.
