اخبار تركيا
ليست الأناضول مجرد أرض تزخر بالمعالم التاريخية والأثرية، بل هي أيضًا موطن لأشهى الأطباق التقليدية التي تحمل في طياتها قصص الشعوب وثقافاتهم. وبين قيصري وقونية، وبين كبادوكيا وأسكي شهير وسيواس وجانقري، تنسج المائدة الأناضولية لوحة من النكهات الغنية التي تأسر الحواس.

فيما يلي جولة عبر أبرز الأطباق والأطعمة التقليدية التي تشتهر بها مدن وسط الأناضول (تركيا):

البسطرمة في قيصري

لا تكتمل زيارة قيصري من دون تذوق البسطرمة، ذلك اللحم المجفف المتبّل الذي أصبح رمزًا للمطبخ التركي. تُحضّر البسطرمة من قطع مختارة من لحم الجاموس أو البقر، حيث تُغسل وتُملّح، ثم تُضغط وتُجفف. ومع مرور الوقت يذوب الدهن ليشكّل طبقة بيضاء رقيقة.

الخطوة الأهم هي تغليف اللحم بعجينة التوابل الشهيرة المسماة “جَمَن”، وهي مزيج من بذور الحلبة المطحونة مع مسحوق الفلفل الأحمر. بعد ذلك يُترك اللحم ليجف قليلًا قبل أن يصبح جاهزًا، فيخرج بطعم غني ورائحة مميزة جعلته يتربع على موائد الأتراك منذ قرون.

المانتي في قيصري

إلى جانب البسطرمة، تُعرف قيصري أيضًا بطبق المانتي الشهير، الذي يعتبر نظيرًا تركيًا للـ”رافيولي” الإيطالي. وهو عبارة عن عجينة صغيرة الحجم تُحشى باللحم المفروم والبصل، ثم تُغمر عادةً بصلصة اللبن الزبادي بالثوم.

خصوصية مانتي قيصري تكمن في حجمها المتناهي الصغر ودقة تحضيرها، حتى باتت طبقًا يرمز إلى مهارة نساء المنطقة، ويقدَّم دومًا كوجبة رئيسية في الولائم العائلية.

خبز اللحم (أتلي إكمك) في قونية

أما في قونية، فإن طبق خبز اللحم (Etli Ekmek) يفرض نفسه كأحد أشهر الأطباق المحلية. يشبه هذا الطبق البيتزا الطويلة الرفيعة، حيث يُفرَد العجين على شكل مستطيل، ثم يُغطى بمزيج من اللحم المفروم مع البصل والطماطم والفلفل الطازج، ويُخبز في أفران الحجر التقليدية.

يُقدَّم خبز اللحم غالبًا مع شراب العيران البارد، وهو طبق رئيسي في حفلات الزفاف والاحتفالات. بالنسبة لزائر قونية، فإن تذوقه يُعتبر تجربة لا تُفوَّت.

تيستي كباب في كبادوكيا نوشهير

في قلب كبادوكيا، يشتهر طبق تيستي كباب (المعروف أيضًا باسم جوملك كباب أو كباب الفخار). يتم تحضيره من اللحم (غالبًا لحم الضأن) مع البصل والثوم والطماطم، وأحيانًا تُضاف طبقة من البطاطس أو العجين لإغلاق الوعاء. يوضع الخليط داخل قدر طيني محكم الإغلاق، ثم يُطهى ببطء حتى ينضج.

المشهد الأبرز هو عندما يُقدَّم الطبق على المائدة: يكسر النادل الوعاء الفخاري أمام الضيوف في مشهد درامي يزيد من متعة التجربة. كبادوكيا، المعروفة بفخارها وخزفها منذ آلاف السنين، جعلت من هذا الطبق جزءًا من هويتها الثقافية، حتى أن أدوات المائدة في المنطقة كثيرًا ما تُصنع من الطين المحلي.

بَسمَج وفطيرة التنور في قرشهير

في قرشهير، يبرز طبق بسمَج، وهو نوع من الكفتة المحلية يُحضَّر من اللحم المفروم والبرغل، ويُطهى على الصاج أو على الموقد، خصوصًا في مدينة قَمان. يمتاز بنكهة لذيذة محببة لدى السكان المحليين.

أما فطيرة التنور، أو “غوزلمة التنور”، فهي فطيرة تُحضَّر بعجين رقيق يُفرد يدويًا ثم يُخبز في فرن التنور التقليدي. تحشى بمكونات متنوعة مثل اللحم المفروم، الطماطم، البيض، الباذنجان أو الفطر. وهو طبق يعبّر عن دفء الضيافة في ريف الأناضول.

جيبورَك (فطائر تتارية) في أسكي شهير

تشتهر أسكي شهير بـ جيبورَك، وهي فطائر مقلية تعود جذورها إلى مطبخ تتار القرم الذين استقروا في المدينة. تُحضّر من عجينة رقيقة محشوة باللحم المفروم والبصل والتوابل، ثم تُقلى حتى تكتسب لونًا ذهبيًا.

جيبورك عادةً على شكل نصف قمر، وتُقدَّم ساخنة مع العيران البارد الرغوي. إلى جانب الحشوة التقليدية باللحم، توجد أصناف أخرى بالبطاطس أو الفطر أو الجبن. اسم الطبق مشتق من كلمة “جي” (لذيذ) بلغة القبجاق القديمة، مع كلمة “بورك” التركية (فطيرة).

حساء بسكوتان وكوفتة سيواس

في سيواس، يبرز طبق بسكوتان، وهو نوع من اللبن المحضر من الحليب الطازج في الربيع ليُستهلك في الشتاء. يُطهى الحنطة المفلوقة والعدس الأخضر مع البسكوتان، ثم يُضاف إليها صوص البصل المسمى “صوهاريج”، لتتحول إلى شوربة غنية ذات قيمة غذائية عالية.

أما كفتة سيواس، فهي طبق آخر ذو شهرة واسعة. ما يميزها أنها تُحضَّر فقط من اللحم المفروم والملح، دون أي إضافات. يُترك اللحم يومًا في البراد ثم يُطحن مجددًا للحصول على نكهة وقوام فريدين. وقد أصبحت هذه الكفتة علامة مسجلة باسم المدينة.

شوربة العجين المضفور وشوربة التتار جانقري

من جانقري تأتي شوربة العجين المضفور (Cimcik Çorbası)، وهي مزيج من قطع عجين صغيرة تُسلق مع اللبن والزبدة والتوابل، فتنتج حساء دسمًا ودافئًا.

أما شوربة التتار، فهي وصفة غنية تُحضَّر من العدس والمعكرونة وهريس الطماطم والزبدة ومكونات أخرى، وتُطهى مع اللبن والثوم، ما يمنحها مذاقًا فريدًا يدمج بين الطابع المحلي والتأثيرات التتارية.

نبيذ قبادوكيا نوشهير

لا يمكن للزائر أن يغادر كبادوكيا دون تذوق نبيذها المحلي. فالمنطقة معروفة بزراعة الكروم منذ آلاف السنين، بفضل تربتها الغنية بأحجار الطفة البركانية الناتجة عن النشاط البركاني القديم.

تنتج مزارع قبادوكيا أنواعًا مميزة من العنب المحلي مثل “أوكوز غوزو” (عين الثور)، “قلّه جيك قره سي”، “بوغازكرا”، “نارينجا”، و”أمير”. تتميز هذه الأنواع بقدرتها على منح النبيذ طابعًا خاصًا يزداد جودة مع مرور الوقت. وتفتح مصانع النبيذ المحلية أبوابها للزوار على مدار العام، لتتيح لهم فرصة التذوق والتعرف على تقاليد صناعة النبيذ في المنطقة.

يمتد المطبخ الأناضولي كجسر بين الماضي والحاضر، حيث تعكس أطباقه تنوع الثقافات التي عاشت على هذه الأرض. من بسطرمة قيصري إلى مانتيها الشهير، ومن خبز لحم قونية إلى كباب الفخار في كبادوكيا، ومن جيبورك أسكي شهير إلى كفتة سيواس، لا تنتهي قائمة النكهات التي تُشكّل جزءًا من هوية وسط الأناضول. إنها رحلة ذوقية تضيف بُعدًا جديدًا لرحلة استكشاف التاريخ والطبيعة في قلب تركيا.

شاركها.