نماذج علمائية ملهمة (35) ابن حجر العسقلاني

د. علي محمد الصلابي خاص اخبار تركيا
هو شهاب الدين، أبو الفضل، أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر الكناني العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ والوفاة، الشافعي المذهب، القاهري الدار” كان حافظًا ديِّنًا ورعًا زاهدًا عابدًا مفسرًا شاعرًا فقيهًا أصوليًّا متكلمًا ناقدًا بصيرًا جامعًا، حرر ترجمته جمع من الأعيان”، كان يكنى بـ: “أبي الفضل”، وهي التي اشتهر بها، وقد ذكر الإمام السخاوي أنه ولد في الثاني عشر من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطئ النيل بمصر، في منزل بالقرب من دار النحاس والجامع الجديد، وقد بقي فيه إلى أن تزوج بأم أولاده، فسكن بقاعة جدها منكوتمر المجاورة لمدرسته “المنكوتمرية”، داخل باب القنطرة بالقرب من حارة بهاء الدين، واستمر بها حتى مات (ترجمة الإمام ابن حجر العسقلاني، محمد مقبول، ص2).
نشأته:
نشأ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في أسرة تحب العلم وتشجع عليه، وهذا قدر الله له أن ينشأ في جو علمي وبيئة صالحة تأخذ بيده إلى العلم، حتى صار له شأن عظيم بين الناس، وشاء الله تعالى كذلك أن ينشأ ابن حجر رحمه الله يتيمًا أباً وأمًا، فحُرم من عطف أبيه وعلمه كما حرم من حنان أمه، إلا أنه رحمه الله تغلب على ظروفه وكافح في حياته حتى نال السؤدد بين الناس بالعلم والحديث.
نشأ ابن حجر رحمه الله مع يتمه في غاية العفة والصيانة والرياسة في كنف أحد أوصيائه، زكي الدين الخروبيّ، وهو من كبار التجار في مصر، ولم يألُ الخروبي جهدًا في رعايته والعناية بتعليمه، فأدخله الكتّاب بعد إكمال خمس سنين، وكان لدى ابن حجر ذكاء وسرعة حافظة (لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، بن فهد المكي، جـ1/211).
وظل ابن حجر في كنف وصيه يرعاه إلى أن مات الزكيّ الخروبي سنة 787هـ، وكان ابن حجر قد راهق، فلم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلة، وفي سنة 790 هـ أكمل ابن حجر رحمه الله السابعة عشرة من عمره، فقرأ القرآن تجويداً على الشهاب الخيوطي، وسمع صحيح البخاري على بعض المشايخ، كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ. وفي هذه الفترة انتقل ابن حجر رحمه الله إلى وصاية شمس الدين بن القطان المصري فحضر دروسه في الفقه والعربية والحساب، وفي سنة 793هـ نظر في فنون الأدب، ففاق أقرانه فيها، حتى أنه لا يكاد يسمع شعراً إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه وطارح الأدباء، ونظم الشعر والمدائح النبوية.
وتمثِّل سنة 793 هـ منعطفاً ثقافياً في حياة ابن حجر رحمه الله، فمن هذه الثقافة العامة الواسعة واجتهاده في الفنون التي بلغ فيها الغاية القصوى أحس بميل إلى التخصص فحبّب الله إليه علم الحديث النبوي، فأقبل عليه بكليته، ويذكر السخاوي أن ابن حجر رحمه الله لم يكثر في طلب الحديث إلا في سنة 796 هـ، وكتب بخط يده: “رفع الحجاب وفتح الباب وأقبل العزم المصمم على التحصيل ووفق للهداية إلى سواء السبيل” فكان أن تتلمذ على يد خيرة علماء عصره، ويذكر السيوطي أن ابن حجر رحمه الله لازم شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي عشر سنين، وبرع في الحديث وتقدم في جميع فنونه، وحكي أنه شرب ماء زمزم ليصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ، فبلغها وزاد عليها
وهكذا فإن ابن حجر العسقلاني رحمه الله لم يبلغ من العمر خمسة وعشرين سنة حتى جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد في عصره، في علوم القرآن والتفسير والفقه واللغة والأدب والتاريخ والحديث والنحو، وجمع بين علوم النقل والعقل، وأخذ عن عدد جمّ من المتخصصين في علوم المعارف كلها، ولا يتوفر ذلك إلا لشاب ذو همة عالية وعزيمة قوية ورغبة حقيقية في طلب العلم والانتفاع به، ولا نجد أبلغ تعبير عن هذه الدرجة من العلم والفقه من تلميذه السخاوي، حيث يقول واصفًا حال شيخه: “فجدّ بهمة وافرة وفكرة سليمة باهرة، في طلب العلوم منقولها ومعقولها، حتى بلغ الغاية القصوى، وصار كلامه مقبولا عند أرباب سائر الطوائف، لا يعدون مقالته لشدة ذكائه وقوة باعه ( الجواهر والدرر، السخاوي، جـ/ 121 1140بتصرف).
رحلته في طلب العلم:
كان ابن حجر رحمه الله مع صغر سنه لا يألو جهداً في الرحلة إلى طلب العلم وتحصيله، مهما كلفه ذلك من بعدٍ عن أهله وأولاده وأصحابه، ومهما عانى من سفره من تعب ونصب. وقد عبَّر عن ذلك ابن حجر نفسه بقوله:
وإذا الديار تنكرت سافرت في *** طلب المعارف هاجراً لدياري
وإذا أقمت فمؤنسي كتبي، فلا *** أنفك في الحالين من أسفاري.
فكانت أول رحلته إلى قوص وهو في العشرين من عمره، وبالتحديد سنة 793 هـ، حيث حطت رحاله في قوص في صعيد مصر، وفي أواخر سنة 793 هـ كانت لابن حجر رحمه الله رحلة إلى الإسكندرية، والتقى فيها ابن حجر بمجموعة من المحدثين والمسندين، منهم ابن الخراط، وابن شافع الأزدي، وابن الحسن التونسي، والشمس الجزري. وقد أورد ابن حجر ما لقيه من العلماء وما سمعه منهم وما وقع له من النظم والمراسلات وغير ذلك في كتاب سماه “الدرر المضيئة من فوائد إسكندرية”.
ثم كانت له رحلة إلى بلاد اليمن، وقد طاف ابن حجر رحمه الله معظم بلاد اليمن طلبا للعلم وملاقاة لعلمائها، ومنهم شيخ اللغويين في زمانه الفيروزآبادي، وقرأ عليه أشياء، وأعطاه النصف الثاني من تصنيفه “القاموس المحيط”، لتعذر وجود باقيه حينئذٍ، وأذن له مع المناولة في روايته عنه. ويذكر السخاوي أن ابن حجر رحمه الله كانت له رحلة ثانية إلى اليمن وذلك سنة 806هـ، بعد أن جاور بمكة، فلقي فيها كثير من العلماء، فحمل عنهم وحملوا عنه (الجواهر والدرر، السخاوي، جـ1/ 146 151).
وكانت لابن حجر رحلة إلى الحجاز للحج والمجاورة، حيث الفرصة سانحة للاشتغال والمذاكرة على ما يصادفونه هناك من العلماء والشيوخ والمحدثين والمسندين، وكان آخر حجة حجها رحمه الله سنة 824هـ، وفيها نزل بالمدرسة الأفضلية، أنزله فيها قاضي مكة المحب بن ظهيرة. والتقى ابن حجر رحمه الله في منى ومكة والمدينة جمعا كبيرا من العلماء والمحدثين والقضاة والأعيان، فقرأ عليهم وقرءوا عليه، وأخذوا عنه بعض تصانيفه، وأجاز لهم بالرواية عنه.
ورحل ابن حجر رحمه الله إلى بلاد الشام في سنة 802هـ، وحثه على الرحلة إليها شيخه محمد بن محمد بن محمد الجزري، وصحبه فيها قرينه الزين شعبان، وسمع بسرياقوس وغزة ودمشق ونابلس وبيت المقدس والخليل والصالحية، وغيرها من بلاد الشام، والتقى هناك بعدد غفير من العلماء والمسندين، وفي رحلته لبيت المقدس يقول:
إلى البيت المقدس جئت أرجو *** جنان الخلد نزلاً من كريم
قطعنا في مسافته عقابا *** وما بعد العقاب سوى النعيم
وفد برهن الحافظ ابن حجر رحمه الله في رحلته إلى الشام على كفاءة نادرة تثير الدهشة، فلقد حصّل مع قضاء أشغاله ما بين قراءة وسماع من الكتب والمجلدات، منها: المعجم الكبير والأوسط للطبراني، والمعرفة لابن منده، والسنن للدارقطني، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان، والاستيعاب لابن عبد البر وفضائل الأوقات للبيهقي ومكارم الأخلاق للخرايطي والطهور لأبي عبيد، ومسند أبي يعلى. وغير ذلك كثير (الجواهر والدرر، سابق، جـ1/ 176 190).
علمه:
لقد وهب الله ابن حجر ذكاءً وقاداً وحافظة واعية ونشاطاً متواصلاً واطلاعاً واسعاً، مع صفاء الذهن ولطافة الحسن ورقة العاطفة وجمال الأسلوب وجزالة الألفاظ، وجودة الفهم والقراءة المركزة مع السرعة الفائقة مما جعلته نجماً لامعاً في كل أقطار العالم الإسلامي وأمصاره، ونابغة من أفراد النوابغ في علوم كثيرة وبخاصة في علم الحديث، فلقد كان واحداً من الأعيان الأفذاذ في الحديث والفقه والتفسير والـاريخ والعربية والشعر والخطابة والفتيا والإملاء والإقراء والقضاء، فإذا رأيته وجدته أمة في فرد، وإذا لقيته ألفيت الناس في رجل، فقد أقبل إمامنا على فنون الأدب وتولع به، حتى فاق فيه وساد، وطارح الأدباء، وكان عجباً في استحضار الشعر، وسعة الإطلاع على مصادره ومعرفة قائليه، كما كان على معفة تامة بالعروض وبحور الشعر، وعلومه وأغراضه ومراميه، وقد سطر في مواضع كثيرة ردوده على كبار الأئمة في هذا المجال، مع اقتداره الفائق على معرفة معاني الشعر، حتى أن كبار الأدباء كانوا يأتونه ليحل لهم ما اعتاص فهمه عليهم، حتى ذلك في اللغة فقد فاق أعيانها في سعة الإطلاع عليها، وحفظها وسرعة استحضارها، وقد وظف ابن حجر هذا النبوغ لخدمة دينه، بيد أن الحافظ قد صرف همته ومواهبه إلى ماهو أهم وأنفع للمسلمين، كالحديث والفقه، والتأريخ والتدريس والإملاء والقضاء (الحافظ ابن حجر، عبد الستار الشيخ، ص149ـ 164 بتصرف).
أما عن التاريخ فمنذ الأيام الأولى لاشتغال ابن حجر بالعلم حبب إليه النظر في التواريخ وأيام الناس ووقائع الأحداث وأحوال الرواة، وقد ساعده في هذا رحلاته الواسعة في العالم والأقطار والأمصار، التي عاين البلدان من خلالها، حتى تفرد بذكر الكثير من الحوادث والمراجع، وقد انعكس هذا على كتاباته التاريخية فصبغها بالصبغة الشمولية، وقد اعتنى الحافظ بالنقد التاريخي ومارسه في مختلف جوانب كتاباته، إذ أن له وقفات تاريخية قيمة، وتحقيقات ناقدة بارعة، تعاضدت فيها عبقرية المؤرخ وعقلية المحدث الناقد.
وكان له من التفسير والفقه النصيب الواسع فأخذ رحمه الله ذلك بوفرة، وهو يعتبر آية من آيات الله تعالى في التفسير فكان يأتي بمجالسه ودروسه في التفسير بدقائق ومهمات وغرائب لا توجد في سائر التفاسير، وله في هذا المجال الرحيب مؤلفات تليق به كإمام عظيم، وكان من نعمة الله تعالى على إمامنا ابن حجر أن هيأ له أسباب أخذ الفقه والنبوغ فيه، وفقه الحافظ طريقة فذة فريدة تجمع بين الحديث وفقهه، وهذان العلمان قل أن يجتمعا في شخص، فابن حجر لا يشق له غبار في ميدان الحديث، وقد حاز قصب السبق فيه، وضم إليه فقه الحديث، فهو يعتبر بحق محدث الفقهاء وفقيه المحدثين في عصره ( الحافظ ابن حجر، سابق، ص193ـ 209، بتصرف).
قام الإمام ابن حجر بأعمال جلية وولي مناصب متعددة، وشغل وظائف سنية، ومن الأعمال التي قام بها والمناصب التي تبوأها على وجه الإيجاز هي الإملاء والتدريس والإفتاء والقضاء والخطابة والإمامة والوعظ والمشيخات.
مرضه ووفاته:
ألمّ المرض بالحافظ ابن حجر رحمه الله في ذي القعدة سنة 852هـ، ومع مرضه رحمه الله إلا أنه كان يواصل أعماله ويحضر مجالس الإملاء، يعلِّم الناس أحكام دينهم وأمور دنياهم، وفي يوم الثلاثاء الخامس عشر من ذي القعدة حضر مجلس الإملاء وقد زاد عليه الإرهاق والتعب، فتغيّر مزاجه وضعفت حركته، إلا أنه رحمه الله ما ترك صلاة جمعة ولا جماعة، ولكن مع مرور الأيام اشتد مرضه إلى أن كانت ليلة السبت الثامن عشر من ذي الحجة سنة 852 هـ، فتوفي رحمه الله (السخاوي: الجواهر والدرر، جـ3/ 1203 1207).
فرحم الله الحافظ شيخ الإسلام أبا الفضل شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، وجزاه الله خيرا على ما قدم للإسلام والمسلمين.
المراجع:
ترجمة الإمام ابن حجر العسقلاني، محمد مقبول، إصدارات مكتبة الألوكة، www.alukah.ne
لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، بن فهد المكي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، بيروتلبنان، ١٩٩٨ م.
الجواهر والدرر، السخاوي
الحافظ ابن حجر العسقلاني، عبد الستار الشيخ، دار القلم، دمشق، ط1، 1992م.
منهج ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتاب فتح الباري، محمد إسحاق كندو، مكتبة الرشد (الرياض).