اخبار تركيا
يتميز وسط الأناضول في تركيا بتنوعه الطبيعي والثقافي، حيث تمتزج المناظر الخلابة من شلالات وبحيرات وجبال، مع الإرث الروحي والتقاليد الشعبية التي تعكس روح المنطقة وتاريخها العريق. فمن شلالات قابوزباشي المهيبة في قيصري إلى احتفالات المولوية في قونية، ومن نوادر نصر الدين خوجة في أسكي شهير إلى رقصات السَيْمان والياران في أنقرة وجانقري، تبدو المنطقة لوحة حيّة تجمع بين الطبيعة والإنسان في تناغم فريد.

شلالات قابوزباشي في قيصري.. مياه تنبع من قلب الجبال

تقع شلالات قابوزباشي في قرية تحمل الاسم نفسه، على بُعد نحو 80 كيلومتراً من مركز ولاية قيصري، وتحديداً داخل حديقة ألاداغلار الوطنية. ما يميزها أنها تنبع مباشرة من المنبع، فتتدفق بصفاء وقوة من قلب الصخور.

تضم المنطقة سبعة شلالات مختلفة تتساقط من منحدرات الجبال، مما يمنح الزوار مشهداً مهيباً، خاصة في أيام الصيف الحارة حيث توفر المياه الهادئة انتعاشاً لا مثيل له. كما تحيط بها مسارات للمشي ومناطق مخصصة للتنزه، حيث يمكن للزوار الاسترخاء وسط الطبيعة على أنغام هدير المياه.

شلال يَركوبرو في قونية.. الطبيعة المتجددة

على نهر غوكصو الذي يعبر ولاية قونية متجهاً نحو البحر المتوسط، يقع شلال يَركوبرو بانحدار يبلغ 20 متراً. تتدفق مياهه في النهاية عبر مرسين لتصب في البحر المتوسط.

يُعد الربيع أنسب وقت لزيارة الشلال، حيث تتجدد الطبيعة وتكتسي المنطقة بالخضرة. كما أن أكشاك القرويين المحيطة تعرض فواكه طازجة محلية، تمنح الزائر تجربة تجمع بين جمال الطبيعة ودفء الضيافة الريفية.

شلالات سيواس.. بين غَمَرَك ودوغانْشَر

تزخر ولاية سيواس بشلالات طبيعية تضفي سحراً خاصاً على المنطقة:

شلال سيزير: يقع في منطقة غَمَرَك على جدول غوكصو، أحد روافد نهر قيزيل إرماق. تحيط به مطاعم ومقاهي شاي ذات إطلالات ساحرة، ما يجعله وجهة مثالية للعائلات.

شلالات ديبسيز غول: تقع في منطقة دوغانْشَر، على بعد نحو 82 كيلومتراً من مركز سيواس. يرتفع الشلال 50 متراً، ويصب في بحيرة يُقال إن عمقها غير معروف، ومن هنا جاء اسمها “ديبسيز غول” أي “البحيرة التي لا قاع لها”. تحيط بالمكان مساحات مثالية للتخييم ورحلات المشي والتسلق.

احتفالية المولوية في قونية.. روح تدور حباً لله

تُعتبر مراسم المولوية من أهم الرموز الروحية في تركيا، حيث أُدرجت عام 2008 على قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو.

تأسست الطريقة المولوية عام 1273 في قونية على يد أتباع جلال الدين الرومي (مولانا)، وانتشرت تدريجياً في أنحاء الدولة العثمانية. ويقوم جوهرها على فكرة أن كل شيء في الكون يدور؛ من حركة الكواكب والإلكترونات إلى دوران الدم في الجسم، فيدور الدراويش حباً لله تعالى في رقصة “السَّماع” الشهيرة التي تجمع بين الموسيقى الصوفية والإنشاد والحركة.

رغم انتشار الطريقة المولوية في تركيا وخارجها، ما تزال قونية المركز الأكثر نشاطاً وشهرةً للاحتفالات التي تُقام سنوياً بمشاركة آلاف الزوار من حول العالم.

رقصة السَيْمان في أنقرة.. إرث الاستقلال

ترتبط رقصة السَيْمان بمدينة أنقرة ارتباطاً وثيقاً. فهي رقصة تقليدية يُؤدى فيها الرجال بزي خاص يستحضر ما كانت ترتديه الميليشيات الشعبية في حرب الاستقلال (19191922).

يتكون الزي من سراويل واسعة مدسوسة داخل حذاء جلدي تقليدي، مع بلوزة تغطيها سترة ضيقة منقوشة، إضافة إلى حزام يُعلَّق عليه خنجر أو مسدس، بينما يغطى الرأس بعمامة تقليدية.

أصبحت هذه الرقصة جزءاً من الاحتفالات الوطنية في تركيا، وتُعرف أيضاً برقصة “المِسْكيت”، وهي مزيج من الفلكلور والحس الوطني.

مهرجان نصر الدين خوجة في أسكي شهير.. الضحك حكمة

في قرية “هورتو” التابعة لمنطقة سيواري حصار في ولاية أسكي شهير، وُلد عام 1208 واحد من أبرز رموز الثقافة الشعبية التركية: نصر الدين خوجة.

كان فيلسوفاً شعبياً ومعلمًا حكيمًا، جمع بين الطرافة والذكاء، فصار رمزاً للضحك البنّاء الذي يحمل في طياته حكمة عميقة. وقد انتشرت نوادره في العالم الإسلامي والتركستاني، حيث يُعرف بأسماء مختلفة مثل “الملا نصر الدين” في أذربيجان و”نصر الدين أفندي” في أوزبكستان.

يقام مهرجان سنوي في أسكي شهير بين 3 و10 يونيو للاحتفاء بتراثه، حيث تُنظم فعاليات مسرحية وفنية تستعيد مواقفه الطريفة وحكمه الخالدة.

رقصة كَسكين الشعبية في قرق قلعة.. الطبل والمزمار

في ولاية قرق قلعة، تشتهر رقصة كَسكين الشعبية التي تعود إلى ثقافة “عبدال”. وتُؤدى هذه الرقصة في حفلات الزفاف والأعياد على أنغام الطبل والمزمار (الآلة التركية التقليدية ذات الصوت القوي).

وتختلف رقصة الهالاي في كَسكين عن غيرها من مناطق الأناضول، حيث تُؤدى بإيقاع بطيء يحمل فلسفة خاصة، فتمنح الجمهور تجربة غنية بالتراث والموسيقى.

مجالس ياران في جانقري.. مدرسة الفلكلور

في ولاية جانقري، يُعتبر تقليد الياران أحد أبرز عناصر البنية الاجتماعية والثقافية. وهو تقليد اجتماعي يعود إلى “الأخية”، حيث يتكون من 24 تاجراً يجتمعون في مجالس خاصة تُعقد عادة في فصل الشتاء.

هذه المجالس ليست مجرد لقاءات اجتماعية، بل أشبه بمدرسة فنية وثقافية، إذ تتخللها عروض موسيقية ومسرحية فولكلورية، تهدف إلى صون التراث المحلي وتوارثه عبر الأجيال.

تناغم الطبيعة والثقافة

بهذا التنوع المذهل، يقدم وسط الأناضول للزائر تجربة متكاملة تجمع بين جمال الطبيعة من شلالات وبحيرات وجبال، وغنى الثقافة من احتفالات وطقوس ورقصات شعبية. إن زيارة هذه المنطقة ليست مجرد رحلة سياحية، بل هي غوص في أعماق التاريخ والروح، حيث تتجاور الحكمة مع الطرافة، والصوت مع الحركة، والطبيعة مع الإنسان.

شاركها.