قد يكون نقض الرئيس البولندي الجديد، كارول ناوروكي، لمشروع قانون يمدد الدعم المالي للاجئين الأوكرانيين الفارين من الحرب، وربما يُنهي التمويل البولندي لخدمة الإنترنت «ستارلينك» الأوكرانية، حدثاً مؤسفاً. بل قد يكون أيضاً علامة مبكرة على ضعف عزم أوروبا الشرقية على إلحاق الهزيمة بروسيا في أوكرانيا.
وفي المجر، انحاز رئيسها فيكتور أوربان إلى جانب روسيا في الحرب، إذ ضاعف مشترياته من الطاقة من روسيا في أعقاب الحرب، ومنع المساعدات عن أوكرانيا، بل وأرسل جواسيس إلى منطقة «ترانسكارباثيا» الأوكرانية لمعرفة ردّ فعل السكان المحليين على ضمهم مجدداً إلى (المجر الكبرى). وكان سجل سلوفاكيا مخيباً للآمال بالمثل. فمن بين أوائل الدول التي نقلت طائرات مقاتلة ووفّرت أنظمة دفاع جوي لأوكرانيا، تعمل حكومة البلاد الحالية كمدافع عن مصالح روسيا لدى الاتحاد الأوروبي.
لا شك أن بولندا، كقوة إقليمية لديها علاقة متوترة مع روسيا، وتجد نفسها في وضع مختلف عن المجر وسلوفاكيا، ومع ذلك، فإن هذا يجعل حق النقض الذي استخدمه ناوروكي وسياقه الأوسع أكثر إثارة للقلق. وأي تردد أو انقسام في بولندا بشأن قضية جوهرية كأوكرانيا سيتردد صداه خارج حدود البلاد، وسيُخاطر بكشف أسوأ ما في قادة المنطقة.
يُذكر أنه في الجولة الأولى من الانتخابات، كان المرشح الفائز عن حزب القانون والعدالة مدعوماً بمرشحين يمينيين، حصلا معاً على نحو 20% من الأصوات. ولم يُظهر أي منهما، سلافومير مينتزن، ولا غريغورز براون، فهمهما للمخاطر في أوكرانيا. ويبدو الأول منشغلاً جداً بمواجهة الاتحاد الأوروبي لدرجة أنه لا يكترث بروسيا. أما براون، فإضافة إلى مواقفه المثيرة للجدل، فهو معاد بشدة لأوكرانيا، ويحرص على تكرار الحجج الروسية حول كييف.
ضعف المقاومة
لم ينخرط حزب القانون والعدالة في التيار الشعبوي المعادي لأوكرانيا، والذي تفاقم بفعل الضغط الذي يمارسه اللاجئون الأوكرانيون على الخدمات العامة. ويعود السبب إلى شخصية زعيم الحزب، ياروسلاف كاتشينسكي. وفَقَد كاتشينسكي، بصفته رئيساً للوزراء شقيقه التوأم ليخ، رئيس بولندا آنذاك، في حادث تحطم طائرة في روسيا عام 2010، فيما لايزال البعض في بولندا يعتقد أنه لم يكن حادثاً.
ومع ضعف قبضة كاتشينسكي على حزبه، تضعف أيضاً المقاومة ضد التفكير الجيوسياسي الفاسد لدى اليمين البولندي. علاوة على ذلك، فإن ناوروكي بعيد كل البعد عن كونه سياسياً ماهراً أو استراتيجياً.، فالرئيس السابق، أندريه دودا، وهو أيضاً عضو في حزب القانون والعدالة، خاض معارك متكررة مع الحكومة الوسطية، لكنه تمكن أيضاً من تجاوز السياسة الحزبية في اللحظات الحرجة، كما حدث خلال زيارة مشتركة إلى واشنطن مع خصمه اللدود، دونالد توسك، رئيس الوزراء. وبدا دودا، أيضاً، فعالاً في تحريك الأمور مع الرئيس دونالد ترامب وفريقه، لا سيما قبل التصويت على أحدث مشروع قانون إضافي بشأن أوكرانيا.
وكان غياب بولندا، نتيجة للمواجهة بين مكتب الرئيس والحكومة، ملحوظاً خلال الزيارة الأخيرة للرئيس فولوديمير زيلينسكي وقادة أوروبيين آخرين إلى البيت الأبيض، في محاولة لتوجيه مفاوضات السلام.
وبالنسبة لدول البلطيق، تُشكل روسيا تهديداً وجودياً مباشراً، ومع ذلك، فإن الائتلاف الحاكم المعاد تشكيله حديثاً في ليتوانيا بقيادة الاشتراكية الديمقراطية إنغا روجينيني سيضم الآن اتحاد المزارعين والخضر الليتوانيين، المعروف بآرائه الأكثر تصالحية تجاه الماضي السوفييتي للبلاد.
وصحيحٌ أن روجينيني قد تعهدت بجعل الدفاع الوطني القوي أولوية، وكان وزير دفاع حزبها، دوفيلي شاكالين، من أهم المدافعين عن هذه السياسة.
فكرة الانسحاب
مع ذلك، فإن مجموعة اتحاد المزارعين والخضر الليتوانيين في البرلمان الليتواني، تضم برلمانيين من الحزب السياسي العرقي البولندي، وتحالف العائلات المسيحية الليتوانية، وهو، للمفارقة، أكثر المجموعات السياسية تأييداً لروسيا صراحة في البلاد.
وتحدث بعض مسؤولي الحزب السياسي العرقي البولندي، وأبرزهم زبيغنيو جيدزينسكي، عن فكرة الانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبناء تحالف مع روسيا، وأعربوا عن دعمهم لقمع المتظاهرين في بيلاروسيا عقب انتخابات 2020 المثيرة للجدل. وألقى زعيم الحزب، فالديمار توماشيفسكي، باللوم في حرب روسيا وأوكرانيا على دعم ليتوانيا للاحتجاجات المناهضة لألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا. كما عارض حظر ليتوانيا للقنوات التلفزيونية الحكومية الروسية، وارتدى بفخر شريط «سانت جورجيا»، رمز الجيش الروسي.
وأخيراً، هناك الانتخابات البرلمانية المقبلة في جمهورية التشيك، والتي من المرجح أن تعيد أندريه بابيش إلى رئاسة الوزراء. وفي حملته الرئاسية الفاشلة عام 2023، قدم بابيش نفسه على أنه «مرشح سلام»، متشككاً في المساعدات العسكرية لأوكرانيا. وهذا العام، حشد بابيش أنصاره ضد الدعم المالي للاجئين الأوكرانيين المقيمين في جمهورية التشيك، وتعهد بإنهاء مبادرة الذخائر التي تقودها التشيك، والتي نجحت في تسريع إنتاج قذائف المدفعية في أوروبا وإرسالها إلى أوكرانيا.
ويقلل البعض من شأن خطاب بابيش في ضوء سجله السابق، الذي لم يكن هجومياً إلى حد كبير، كرئيس للوزراء. ومع ذلك، لتشكيل حكومة في أكتوبر من هذا العام، قد يضطر إلى التعاون مع بعض القوى المتطرفة.
عمود فقري
في السياسة الأوروبية، انتقل حزب بابيش، أيضاً، من مجموعة «التجديد» بقيادة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون إلى مجموعة «وطنيون من أجل أوروبا»، حيث انضم إلى حزب الاتحاد المدني المجري، وحزب الرابطة الإيطالي، وحزب الحرية النمساوي، وغيرها من الجماعات السياسية الموالية لروسيا علناً.
وشكّل البولنديون ودول البلطيق والتشيك، العمود الفقري للتحالف الإقليمي الداعم لأوكرانيا، وهذا التحالف لم يتراجع بعد، ومع ذلك، توضح الأمثلة الثلاثة مدى أهمية القيادة الأميركية في إدارة التحالف الداعم لأوكرانيا في الحرب. وفي وارسو وفيلنيوس وبراغ، عادة ما ينتظر القادة الإشارات الصادرة من واشنطن ويتصرفون بناء عليها، وعندما لا تظهر هذه الإشارات أو تكون غامضة، فمن غير المُسلم به أن تضاعف الجهات الفاعلة الإقليمية جهودها دائماً، كما يتصور كبار «مُحددي الأولويات» في أميركا.
وقد تفعل بعض الحكومات ذلك، لكن حكومات أخرى ستدرك تماماً ضعفها في غياب الدعم الأميركي، وستحاول التكيف مع الحقائق الجديدة. علاوة على ذلك، إذا أصبحت سياسة مساعدة أوكرانيا أكثر إثارة للجدل في جميع أنحاء المنطقة، فمن المتوقع أن يضعف العزم على بذل المزيد من الجهد، وسيكون ذلك بمثابة أخبار سيئة، ليس فقط لأوكرانيا، بل أيضاً للأمن الأوروبي، ولمصالح الولايات المتحدة في أوروبا. عن «ناشيونال إنترست»
. شكّل البولنديون ودول البلطيق والتشيك العمود الفقري للتحالف الإقليمي الداعم لأوكرانيا، وهذا التحالف لم يتراجع بعد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news