يمثل ملف تأمين مستقبل المبدعين في الإمارات، خصوصاً من كبار السن أو في حالات عدم القدرة على العمل، أحد الملفات المهمة التي تلقي بظلالها من وقت لآخر على المشهد الإبداعي المزدهر في الدولة، فبعد مسيرة من التألق والإبداع، قد يجد الفنان نفسه يعاني تراجع فرص العمل، وبالتالي انخفاض دخله، في مقابل تزايد ضغوط الحياة ومتطلباتها، وحاجته للعلاج أو الرعاية الصحية مع تقدم العمر.
«الإمارات اليوم» استطلعت آراء عدد من المثقفين والعاملين في قطاع العمل الإبداعي بمختلف مجالاته، حول اقتراحاتهم وأفكارهم عن كيفية تحقيق الأمان المالي، وفي إجاباتهم أكدوا أن دولة الإمارات سبّاقة في توفير الاحتياجات الرئيسة لمواطنيها بشكل عام، ومنهم المبدعون، موضحين أن تأمين المبدع مسؤولية مشتركة، ولابد أن يتحمل المبدع نفسه جزءاً منها، مقدمين العديد من المقترحات التي يمكن أن تهدف إلى توفير حالة من الاستقرار والأمان المادي للمبدعين.
مسؤولية مشتركة
ولفت الفنان والكاتب، سلطان بن دافون، إلى «أهمية أن يكون للمبدعين نظام تأمين أو معاش خاص، لأن طبيعة عملهم لا تشبه الوظائف التقليدية، فالإبداع عمل حقيقي لكنه غير ثابت الدخل، ولذلك يحتاج إلى نظام حماية مرن، يضمن كرامة المبدع في مراحل العمر المتقدمة، دون أن يقيّد حريته أو يفرض عليه إطاراً وظيفياً لا يشبهه».
وأضاف «أن مسؤولية توفير نظام تأمين أو معاش للمبدعين هي مسؤولية مشتركة، تقودها الجهات الحكومية الثقافية بوضع الإطار القانوني والتنظيمي، وتشارك فيها المؤسسات الثقافية والقطاع الخاص، مع التزام المبدعين أنفسهم الإسهام في هذا النظام».
استثمار في الإنسان
وذكرت الكاتبة فاطمة المزروعي أن توفير نظام تأمين اجتماعي خاص بالمبدعين لا يُعد عبئاً على الدولة، بل يُمثّل استثماراً حقيقياً في الإنسان والثقافة، ويمكن تطبيق هذه الفكرة من خلال إنشاء برنامج وطني للتأمين الاجتماعي للمبدعين المستقلين، يقوم على مبدأ الاشتراك المرن، بحيث يسهم المبدع بنسبة تتناسب مع دخله، مع وجود دعم حكومي جزئي أو كلي في بعض الحالات، ويشمل هذا النظام معاشاً تقاعدياً، وتأميناً صحياً أساسياً، إضافة إلى الحماية في حالات العجز أو التوقف القسري عن العمل، كما يمكن ربط هذا البرنامج بسجل وطني أو اتحاد للمبدعين، يضمن توثيق النشاط الإبداعي وتنظيمه دون تعقيد إداري.
واقترحت المزروعي فتح الباب أمام مشاركة القطاع الخاص في دعم الإبداع، من خلال رجال الأعمال، بوصفهم شركاء أساسيين في دعم المبدع وتعزيز استدامة هذا النظام، ويمكن لمشاركة القطاع الخاص أن تتم من خلال إنشاء صناديق دعم للمبدعين، أو الإسهام في تمويل برامج التأمين الاجتماعي ضمن إطار المسؤولية المجتمعية، كما يمكن لرجال الأعمال رعاية اشتراكات المبدعين، أو تبنّي مشاريع إبداعية تدرّ دخلاً مستداماً لهم.
وأضافت المزروعي: «مع تنامي الاقتصاد الإبداعي، برز عدد متزايد من المبدعين الذين يعملون بشكل مستقل خارج إطار الوظائف الحكومية أو المؤسسات الرسمية، ورغم إسهاماتهم الواضحة في إثراء المشهد الثقافي والفني، إلا أن هؤلاء المبدعين يواجهون تحديات حقيقية تتعلق بالأمان الاجتماعي، خاصة في مرحلة التقدم في العمر، أو في حال التعرض للمرض أو التوقف عن العمل».
توظيف الموهبة باحتراف
ودعا الفنان الدكتور طارق المنهالي المبدعين إلى تحمل جانب من مسؤولية تأمين مستقبلهم وتحقيق الاستقرار المادي لهم، إلى جانب الجهود الرسمية، مضيفاً: «لابد من الاتفاق على نقطة محورية، وهي أن المبدع لابد أن يكون له إسهام في تخطيط حياته، فلا يمكن تأمينه دون أن يسعى ليؤمن نفسه، حتى يحصل على دخل ثابت عندما يتعذر عليه العمل».
وأوضح المنهالي، أن هناك شركات تأمين تتيح خططاً تعطي مجالاً لمدخرات تأمينية للموهوب أو أي شخص متمكن في وظيفة معينة، كإسهام شهري لفترة زمنية معينة، على أن يتم تعويضه في حالة تعرض لظرف يؤثر في عمله، أو حالة صحية طارئة، يتم تعويضه بالقيمة المتفق عليها في العقد.
وأشار المنهالي إلى أن «أغلب المبدعين يبحثون عن الحرية في الحياة العملية، وهذا يؤدي في حالات كثيرة إلى افتقار الأمان المالي، لذلك لابد أن يؤمن المبدع بأهمية تحويل موهبته إلى حرفة، ليصل معها إلى الطريق السديد، وإذا لم يستوعب أنه موظف يمتهن بموهبته عبر شركة، أو مؤسسة، أو عطاء شخصي أو غيرها من أشكال العمل الإبداعي والجهات المنظمة له، لن يستطيع أن يصل لسقف الأمان الاجتماعي والمادي.
إشكالية متجددة
وأشار الفنان منصور الفيلي إلى أن موضوع تأمين المبدعين في الكبر إشكالية تتجدد من وقت لآخر، كلما ظهرت حالة لفنان يعاني البطالة ولا يجد مصدراً للدخل، أو يحتاج إلى علاج، أو غير ذلك من الحالات التي تعكس مدى الحاجة الملّحة لتنفيذ مثل هذا المشروع، لافتاً إلى أن الجمعيات الموجودة ليس لها الصلاحية أو القدرة على توفير مظلة تأمينية أو حل لما قد يطرأ من مشكلات بين الأعضاء العاملين في المجال خلال العمل، مثلاً مشكلات تتعلق بالأجور والحقوق المادية وغيرها، حيث لا تتمتع بأي صلاحية للتدخل بشكل رسمي، وهو ما يدعو إلى البحث عن تفعيل أدوارها أو إيجاد جهات أكثر فاعلية.
نشر التوعية
وأوضح الشاعر والتشكيلي، محمد المزروعي، أن السنوات الأخيرة شهدت العديد من الخطوات السابقة التي قدمتها دولة الإمارات لرعاية الإبداع والمبدعين، ويمكن القول إنها تسبق المبدع في الحراك الثقافي والفني الذي نشهده في الفترة الأخيرة، بفضل ما توفره من بنية تحتية محفزة للعمل والإنتاج في كل مجالات الإبداع، ومؤسسات رسمية أو تطوعية لدعم الفنون والإبداع.
وأشار المزروعي إلى أن الإمارات توفر لمواطنيها، ومن بينهم المبدعون، العديد من الخدمات المتعلقة بالتأمينات الاجتماعية، والتأمين الصحي، وتوفير السكن وغيرها، لافتاً إلى أن بعضهم يفتقدون المعرفة بالمميزات التي أتاحتها لهم الدولة والجهات المسؤولة، أو الجهات التي يجب أن يتوجهوا إليها ليحصلوا على هذه المميزات، وكيفية التواصل معها، لذا لابد من نشر التوعية بهذه الأمور.
وأضاف: «نحن أمام معضلة مهمة، تتمثل في معايير تعريف المبدع، وهل تعتمد على جودة الإبداع أو عدد الأعمال التي قدمها»، معتبراً أن الانضمام لجهة معينة ليس دليلاً على الإبداع، خاصة في ظل الأوضاع الحالية التي تتيح لأي كاتب إصدار كتب على حسابه الخاص، بصرف النظر عن جودة المحتوى الذي يقدمه في هذه الإصدارات، وهل يمثل إبداعاً أصيلاً أو لا، كذلك هناك إنتاج إبداعي لا يندرج تحت مظلة معينة مثل شعراء الشعر النبطي الذين يوجدون في الفضاء الثقافي، ولديهم إبداع أصيل، ولكن من الصعب حصرهم بدقة.
الاستفادة من الخبرات
وأشار رئيس مجلس إدارة مسرح عيال زايد للفنون، الكاتب والفنان عبدالله بوهاجوس، إلى أن كبار المواطنين في الدولة يحصلون على تأمين صحي، وراتب تقاعدي وسكن، وهو ما يعني حصولهم على ما يقرب من 95% من الاحتياجات الأساسية، وهو ما ينطبق على المبدعين، كما أن نسبة كبيرة من الفنانين والمبدعين تعمل في وظائف بقطاعات مختلفة، وبالتالي تحصل على رواتب ومميزات الوظيفة ثم التقاعد.
ولفت بوهاجوس إلى ضرورة: «أن نقف جميعاً معه، لأن الموهبة لا تزول أو تختفي مع الزمن والتقدم في العمر، بل هبة من الله ومع الوقت تضاف إليها الخبرة، ولذلك يمكن العمل على الاستفادة من المبدعين الكبار كمستشارين أو مدربين للمواهب الصغيرة بدلاً من الاستعانة بمدربين وخبراء من الخارج».
وحول تصوره لكيفية تحقيق هذا الاقتراح، وخلق بيئة للتواصل بين الأجيال المختلفة، أكد أن دولة الإمارات، كانت سبّاقة في توفير كل القنوات التي تكفل راحة ودعم المبدعين بشكل خاص، وأبنائها بشكل عام، لافتاً إلى أن الفكرة السائدة بأن العمل الإبداعي، سواء تمثيل أو صناعة سينما أو الكتابة بكل أشكالها أو الفنون التشكيلية وغيرها من المجالات، لا يصلح أن يكون مصدراً للرزق ويلبي احتياجات ومسؤوليات الإنسان المادية، هذه الفكرة فرضت على المبدعين العمل في وظائف مختلفة، وبعضهم لم يكملوا مسيرتهم في العمل الإبداعي، لعدم قدرتهم على تحقيق التوازن بينه وبين الوظيفة والتزاماتها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
