لم يَعد السباق العالمي نحو ريادة الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على ابتكار الخوارزميات وعدد النماذج، أو حجم الاستثمارات، بل أصبح مرتبطًا بامتلاك السيادة على البنية التحتية التي تُشغل هذه العقول الرقمية. ومع إعلان الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وضع حجر الأساس لمركز بيانات هيكساجون (Hexagon) في الرياض، كأكبر مركز بيانات حكومي في العالم من المستوى الرابع (Tier IV)؛ يبدو أن المملكة قد قررت تجاوز مرحلة المواكبة لتدخل فعليًا في مرحلة القيادة العالمية لهذا القطاع الحيوي.
هيكساجون.. بنية تحتية سيادية لعصر البيانات:
يمثل مركز بيانات (هيكساجون) تتويجًا عمليًا لجهود المملكة في تحويل البيانات من مورد تشغيلي إلى أصل إستراتيجي سيادي. فقد جاء تأسيس المركز في سياق رؤية شاملة تقودها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وبدعم مباشر من رؤية المملكة 2030، بهدف بناء بنية تحتية رقمية وطنية متينة قادرة على استيعاب التحولات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة العالية الأداء.
هيكساجون.. وقود المستقبل
ختام حفل وضع حجر الأساس لـ #مركز_هيكساجون أكبر مركز بيانات حكومي في العالم، أحد المشاريع الوطنية التي تعزز ريادة المملكة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي.#سدايا pic.twitter.com/BA24GDZf2P
— SDAIA (@SDAIA_SA) January 2, 2026
ويجسد (هيكساجون) تطلعات صاحب السمو الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس إدارة (سدايا)، بأن تكون المملكة مركزًا عالميًا للتقنيات المتقدمة، وقاعدة انطلاق للاقتصادات القائمة على البيانات، بما يعزز السيادة التقنية، ويدعم تنويع مصادر الدخل غير النفطية.
ولا يُعدّ (هيكساجون) مجرد مركز لتخزين البيانات، بل هو بنية تحتية صممت لتتحمل أقصى ظروف التشغيل، إذ يمتلك طاقة استيعابية تصل إلى 480 ميجاواط، ويُقام على مساحة تتجاوز 30 مليون قدم مربع، مما يجعله من أضخم مراكز البيانات عالميًا.
وعلى صعيد المعايير الهندسية، حصل المركز على اعتماد معيار (TIA942)، الذي يعتمد منظومة تشغيل بمسارات مزدوجة مستقلة لضمان الجاهزية في أقصى الظروف التشغيلية. كما حصل على تصنيف (Tier IV) العالمي، وهو ذروة معايير الموثوقية، إذ يضمن استمرارية تشغيل بنسبة تبلغ 99.995% ومقاومة كاملة للأخطاء، ونال شهادة اعتماد (22237 ISOIEC) التي تمثل مرجعًا عالميًا لتوفر البنية التحتية وحمايتها من المخاطر التقنية والبيئية، مما يعني انعدام فرص توقف التشغيل، وهو مطلب أساسي لأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعمل على مدار الساعة.
4 اعتمادات دولية يحصل عليها #مركز_هيكساجون تؤكد جاهزيته التشغيلية، وفق أعلى المعايير العالمية لمراكز البيانات.#سدايا pic.twitter.com/ANGVOVoOXn
— SDAIA (@SDAIA_SA) January 1, 2026
ريادة خضراء واستدامة بيئية:
لم تغفل المملكة الجانب البيئي في هذا المشروع الضخم؛ إذ استوفى مركز (هيكساجون) متطلبات المجلس الأمريكي للمباني الخضراء (USGBC) وحصل على الفئة المتقدمة (LEEDGOLD). ويعتمد المركز حلولًا مبتكرة تستند إلى تطبيق تقنيات متقدمة في مجال كفاءة الطاقة والتبريد الذكي، وتشمل:
- تقنيات التبريد السائل المباشر وأنظمة التبريد الهجين.
- تحقيق أدنى معامل لفعالية استخدام الطاقة (PUE).
- الاعتماد على الطاقة المتجددة كمصدر مستدام، مما يجعله أحد أكبر مراكز البيانات الخضراء عالميًا.
كيف تحولت مراكز البيانات من بنية تشغيلية إلى أداة للسيادة الرقمية؟
شهد مفهوم مراكز البيانات تحولًا جذريًا خلال العقود الماضية، فبعد أن بدأت في خمسينيات القرن الماضي كمرافق مغلقة لحماية الحواسيب العملاقة، تطورت مع انتشار الإنترنت، ثم اكتسبت بعدًا إستراتيجيًا مع إطلاق الحوسبة السحابية عام 2006. ولكن مع بزوغ فجر الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يتطلب قدرات معالجة فائقة، أصبحت هذه المراكز عنصرًا حاسمًا في معادلة القوة الرقمية، نظرًا إلى ما تتطلبه من قدرات معالجة فائقة وبنى تشغيل فائقة الاعتمادية.
مدير مركز المعلومات الوطني: مركز بيانات “هيكساجون” يمثل نقلة نوعية في تعزيز سيادة البيانات ودعم التحول الرقمي.#واس pic.twitter.com/3pocyZSoZO
— واس العام (@SPAregions) January 1, 2026
وفي هذا السياق، لم تَعد مراكز البيانات مجرد استثمارات تقنية، بل تحولت إلى أصول سيادية، تعكس قدرة الدول على التحكم في بياناتها، وتأمين نماذجها الذكية، وضمان استمرارية خدماتها الحيوية.
وقد نجحت (سدايا) منذ تأسيسها عام 2019 في تحويل مفهوم الثروة من موارد طبيعية ناضبة إلى تدفقات رقمية مستدامة، مما جعل المملكة تتبوأ المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر الإستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي.
ما الأثر الاقتصادي والإستراتيجي المتوقع؟
يُعدّ مركز بيانات (هيكساجون) النواة الأولى لانطلاق مراكز أخرى ستُنشئ لاحقًا في عدد من المواقع في المملكة، وفق خطة التوسع الإستراتيجية التي عملت عليها (سدايا) من أجل استيعاب طلب خدمات البنية التحتية الرقمية الوطنية المتزايد والمتسارع.
استراتيجية مراكز البيانات.. تجسد أثراً وطنياً شاملاً ليعزز كفاءة الأنظمة الحكومية، ويولد أثراً اقتصادياً مستداماً. #مركز_هيكساجون#سدايا pic.twitter.com/TjO6SMVY7t
— SDAIA (@SDAIA_SA) January 1, 2026
وتهدف إستراتيجية (سدايا) من خلال هذه المراكز إلى تحقيق أثر اقتصادي تراكمي يتجاوز 10 مليارات ريال في الناتج المحلي، ووفورات مالية تتخطى 1.8 مليار ريال سنويًا، كما تستهدف خفض نحو 30 ألف طن سنويًا من الانبعاثات الكربونية، فضلًا عن استضافة أكثر من 290 نظامًا حكوميًا.
وستساهم هذه المراكز بنحو مباشر في تحسين تجربة المستخدم عبر رفع كفاءة التطبيقات الحكومية الرقمية، وضمان استمرارية خدماتها بأعلى المعايير. وبالتوازي مع ذلك، تعزز هذه الخطوة من أمن البيانات السيادية من خلال حصر معالجتها داخل المملكة، والامتثال الكامل لضوابط نظام حماية البيانات الشخصية، بما يكفل أعلى درجات الخصوصية والأمان.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في السعودية:
لقد حققت المملكة إنجازات استثنائية خلال الشهر الماضي وضعت اسمها بين أكبر القوى العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ احتلت المملكة المرتبة الثالثة عالميًا في نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة بعد الولايات المتحدة والصين، كما جاءت في المرتبة الثالثة عالميًا في نسبة نمو الوظائف في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك بعد الهند والبرازيل، وفقًا لأحدث تقارير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي.
وفي انعطافة تاريخية نحو هيكلة الاقتصاد الرقمي، جاء إطلاق شركة (هيوماين) Humain في شهر مايو 2025، لتكون الذراع السيادية والمحرك التنفيذي لطموحات المملكة في التحول إلى قوة عظمى في خريطة الذكاء الاصطناعي، وتحظى الشركة بدعم إستراتيجي من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي تتجاوز قيمته تريليون دولار، ومن أرامكو السعودية. وتهدف الشركة إلى جعل المملكة ثالث أكبر دولة في العالم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بعد الولايات المتحدة والصين، وذلك وفق تصريحات سابقة لطارق أمين، الرئيس التنفيذي للشركة.
وفي خطوة تعكس الثقل السياسي والتقني للمملكة، نجحت (هيوماين) آخرًا في استلام الشحنة الأولى من أحدث شرائح الذكاء الاصطناعي من شركة إنفيديا، عقب اتفاق إستراتيجي مع الولايات المتحدة يسمح بتصدير عشرات آلاف الرقاقات المتطورة للمملكة.
وقد أكد طارق أمين، الرئيس التنفيذي للشركة، في منشور عبر حسابه في منصة (لينكد إن)، أن هذا الإنجاز يأتي امتدادًا لنجاح الشركة في استلام شرائح (Groq) العام الماضي، مشيراً إلى استنفار فرق العمل لضمان النشر التقني الكامل وجاهزية الأنظمة للتشغيل الفعلي قريبًا.
وتؤكد هذه الإنجازات أن السعودية لم تَعد تنتظر التكنولوجيا، بل باتت تستقطب أدق تفاصيلها لبناء بنية تحتية فائقة الذكاء، تُدار من قلب مراكز بيانات وطنية عملاقة مثل (هيكساجون). وبامتلاك هذه البنية التحتية، تصبح المملكة الوجهة الأولى لكبرى شركات التقنية العالمية في الشرق الأوسط، والمختبر الأكبر لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة التي تحتاج إلى معالجة سحابية فائقة الأداء.
وختامًا؛ يؤكد إطلاق مركز بيانات (هيكساجون) أن المملكة العربية السعودية لا تكتفي بمواكبة المستقبل، بل تصنعه، معززةً مكانتها في معادلة الاقتصاد الرقمي العالمي، ومنطلقة من بنية تشريعية وتقنية تضع خير الإنسان ونماء الوطن في مقدمة أولوياتها.
