عاد معرض دمشق الدولي للكتاب إلى الانعقاد في شباط/ فبراير 2026 بوصفه واحدًا من أبرز المؤشرات الثقافية على مرحلة جديدة في سوريَة، حيث تُقام الدورة الحالية كأول نسخة استثنائية تجري فعالياتها بعد التغيرات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وبدء عهد جديد فيها، مما أضفى على الحدث بُعدًا يتجاوز كونه فعالية ثقافية إلى كونه منصة رمزية لإعادة تشكيل المجال العام وتوسيع مساحات التعبير الفكري.
وفي هذا السياق، يبرز المعرض – الذي يُعد من أقدم التظاهرات الثقافية في المنطقة – بوصفه نقطة تقاطع بين الثقافة التقليدية وصناعة المحتوى المعرفي الحديثة، بما يشمل التحولات التقنية المرتبطة بالنشر الرقمي، والترجمة، وتداول المعرفة عبر المنصات الإلكترونية.
حدث ثقافي في سياق عهد جديد
تشكل الدورة الحالية من معرض دمشق الدولي للكتاب محطة استثنائية؛ إذ تأتي بعد انقطاع لعدة سنوات، وتُقدَّم رسميًا على أنها بداية جديدة للحياة الثقافية مصبوغة بتطورات التحول الرقمي الذي تشهده سوريَة، مع التركيز على الانفتاح وتنوع الأفكار في الفضاء العام.
ويرى مسؤولون ثقافيون أن المعرض يعكس انتقالًا نحو مساحة ثقافية أكثر انفتاحًا وتعددًا، مع إعادة الاعتبار للكتاب كأداة لبناء الوعي وتعزيز التفكير النقدي.
الحدث الذي يُقام في مدينة المعارض بريف دمشق شهد مشاركة واسعة من ناشرين ومؤسسات ثقافية من 35 دولة وأكثر من 500 دار نشر، إلى جانب تنظيم نحو 650 فعالية تشمل ندوات وبرامج ثقافية.
كما تتضمن الفعاليات إطلاق أكثر من سبع جوائز ثقافية تشمل جوائز لأفضل الناشرين السوريين والعرب والدوليين، وجائزة أفضل ناشر شاب، وجوائز مخصّصة لكتب الأطفال، علاوة على فعاليات تتناول الخط العربي والفنون، وأسواق للكتب، وصالونات ثقافية تستضيف كبار المفكرين والمبدعين.
مشهد المشاركة الدولية والبعد الثقافي
شهد معرض دمشق الدولي للكتاب مشاركة عربية ودولية واسعة، مع حضور بارز لجناحي قطر والسعودية كضيفتي شرف وما رافقه من برامج ثقافية وتراثية جذبت اهتمام الزوار.
وتشير هذه الأنشطة إلى توجه نحو الاستثمار في إنتاج المحتوى المعرفي وليس فقط عرضه، بما يعزز مكانة المعارض بوصفها نقاط انطلاق لمشروعات نشر قابلة للتطوير رقميًا.

حل مشكلة ندرة المصادر العلمية
ووفق تقرير نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية، فقد تحول المعرض في دورته الحالية إلى قبلة إستراتيجية لطلبة الدراسات العليا والباحثين في مختلف الاختصاصات العلمية والأدبية، إذ يسهم في ردم الفجوة بين الباحث ومصادره، عبر توفير مراجع تخصصية كان الحصول عليها صعبًا سابقًا، ليشكل بذلك محركًا أساسيًا لدعم المسيرة التعليمية والبحثية في سوريَة.
وأكد عدد من الطلبة أن المعرض يمثل فرصة استثنائية لتجاوز الصعوبات التي تواجههم في تأمين المصادر والمراجع، وخاصة الحديثة منها.
وأشار طالب الماجستير في الرياضيات أحمد خلف إلى أن المعرض وفّر عليه عناء البحث الطويل والانتظار، قائلًا: “كنت أبحث عن مراجع تخصصية دقيقة في مجالي، وخلال نقاشي مع زملائي في الجامعة نصحوني بالتوجه إلى المعرض، وبالفعل وجدت هنا مراجع متنوعة وبأسعار منافسة جدًا، فضلًا عن الرقي في التعامل والخدمات المتميزة التي يقدمها القائمون على الأجنحة”.
بدورها، لفتت براءة بجبج، وهي طالبة في كلية الصيدلة، إلى أن معرض دمشق الدولي للكتاب أسهم في حل مشكلة ندرة المصادر العلمية الموثوقة التي تعتمد عليها في دراستها، موضحةً أن البحث عبر المحركات العالمية غالبًا ما يصطدم بعوائق الاشتراكات المالية المرتفعة أو صعوبة الدفع الإلكتروني للحصول على المراجع الكاملة، في حين وفر لنا المعرض هذه المصادر بنسخ ورقية ومترجمة (عربيإنجليزي) وبأسعار مقبولة وفي متناول الطالب.


إشارات التحول الرقمي داخل المعرض
مع أن الكتاب الورقي ما يزال محور الحدث، فإن الدورة الحالية عكست حضورًا متزايدًا للتقنيات المرتبطة بالنشر الحديث، إذ استضافت شركات متخصصة في الكتب الصوتية والنشر الرقمي إلى جانب مبادرات لتحويل الشعر العربي إلى محتوى صوتي وأرشفة التراث الأدبي عبر منصات رقمية.
وهذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل القراءة لا ينفصل عن البنية الرقمية، خاصة في بيئة يتراجع فيها إقبال الشباب على شراء الكتب الورقية لصالح استهلاك المحتوى عبر الإنترنت.
ومن منظور تقني، يمكن قراءة هذه الخطوات ضمن ثلاث طبقات تحولٍ أساسية:
1 رقمنة المحتوى
- تحويل الإصدارات الورقية إلى كتب إلكترونية وصوتية.
- بناء أرشيفات رقمية للأدب والتراث.
- توسيع الوصول عبر المنصات.
2 بنية النشر الذكية
- أدوات إدارة الحقوق الرقمية.
- تحليل بيانات القراء.
- التوصية بالمحتوى.
3 التكامل مع الذكاء الاصطناعي
- الترجمة الآلية.
- تلخيص النصوص.
- البحث الدلالي داخل المكتبات الرقمية.
وهي مجالات باتت تشكل محركًا رئيسيًا لنمو قطاع النشر عالميًا، وتظهر بوادر دخولها تدريجيًا إلى المشهد الثقافي المحلي.
الكتاب بوصفه منتج بيانات: قراءة تقنية أوسع
في السياق التقني، لم يعد الكتاب منتجًا ثقافيًا فقط، بل مصدر بيانات قابلًا للتحليل والمعالجة، فالتحول نحو النشر الرقمي يفتح الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في:
- تحليل اتجاهات القراءة.
- تخصيص التوصيات.
- أتمتة عمليات التحرير.
- تحسين اكتشاف المحتوى.
وهذه التطبيقات تجعل معارض الكتب مساحة تفاعل بين قطاع الثقافة وشركات التقنية، من منصات الصوتيات إلى مزودي حلول إدارة المحتوى.


الكتاب الناطق
من بين المبادرات المشاركة في المعراض تبرز دار الرشيد للطباعة والنشر والتوزيع بمشروعاتها التفاعلية الجديدة، ومن ضمنها مشروع المصحف الشريف الناطق، وهو إصدار يعتمد على رفد المصحف الورقي بقلم إلكتروني قارئ، بما يتيح للمتلقي التفاعل المباشر مع النص القرآني بمجرد تمرير القلم على الآيات، في تجربة تجمع بين التقانة الحديثة وعلوم القرآن.
وأشار مندوب الدار، فادي مخللاتي، في حديثه إلى وكالة الأنباء السورية الرسمية، إلى إمكانية الاستماع إلى التلاوة بأصوات نحو عشرين قارئًا، بعدة قراءات معتمدة، وإتاحة الترجمات لعدد كبير من اللغات، والتوقف عند التفسير وأسباب النزول، وإعراب الآيات وأحكام التجويد ومخارج الحروف.
كما يوفر النظام، بحسب مخللاتي، إمكانية تسجيل صوت القارئ ذاته ومقارنة قراءته بالنموذج المعياري لتصحيح الأخطاء، مما يحول المصحف إلى حاضنة تعليمية متكاملة لطلاب الحفظ ودارسي علوم القرآن من مختلف الأعمار.
وتحدث مخللاتي عن مشروع آخر للدار تحت اسم “الكتاب الناطق”، موضحًا أنه انطلق من فكرة تحويل الكتاب إلى وسيط حي يجمع بين القراءة والاستماع والمشاهدة، إذ يعتمد هذا الإصدار التفاعلي على رمز خاص (باركود) يقوم القارئ بمسحه عبر تطبيق مجاني على الهاتف المحمول، ليظهر مقطع فيديو يشرح الفكرة الواردة في النص بالصوت والصورة، وباللغتين العربية والإنجليزية.
كما يتيح المشروع إدخال الهاتف في نظارة واقع افتراضي، ليجد المتلقي نفسه داخل المشهد الذي يقرأ عنه، سواء كان ذلك رحلة إلى الفضاء، أو جولة في موقع أثري، أو تجربة علمية مبسطة، في خطوة تعزز حضور التقانة في خدمة المعرفة.
ولفت مخللاتي إلى أن جناح الدار يضم كذلك سلسلة من الإصدارات التفاعلية الرقمية، بلغ عددها حتى الآن نحو 148 عنوانًا تستهدف شرائح واسعة، من الطفل في عمر السنتين مرورًا بطلاب المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، ووصولًا إلى الشباب الجامعيين، مع قصص ناطقة تنمّي مهارات القراءة بالعربية والإنجليزية، وترسّخ النطق السليم.
ثقافة الطفل والنشر المتخصص
من بين الاتجاهات البارزة في المعرض حضور دور نشر متخصصة في كتب الأطفال والتربية، ضمن توجه لتخصيص مساحة لثقافة الطفل وتوسيع تنوع العناوين المعروضة.
وهذا القطاع تحديدًا يمثل فرصة للنشر الرقمي، إذ تُعد كتب الأطفال من أكثر المجالات قابلية للتحول إلى تطبيقات تعليمية تفاعلية، وهو مجال يلتقي مباشرة مع اقتصاد التطبيقات التعليمية.
كما أن جناج وزارة التربية والتعليم حظي بإقبال كبير من الأطفال وذويهم وذلك لوجود شاشات تفاعلية بتقتيات عالية تجمع بين المعرفة والتعليم والمتعة.
انفتاح ثقافي
ترافق الحدث مع إشارات إلى تخفيف القيود الرقابية على الكتب، في خطوة عُِدت انعكاسًا لتحولات في السياسة الثقافية، مع توفير تسهيلات للناشرين مثل دعم الشحن وإعفاءات مالية لتعزيز المشاركة.
هذا الانفتاح – إن استمر – قد يكون عاملًا حاسمًا في جذب منصات نشر رقمية واستثمارات معرفية؛ لأن البيئة التنظيمية تعد من أهم محددات نمو الاقتصاد الإبداعي.
التحدي الحقيقي: من معرض كتاب إلى منصة معرفة
مع وجود المؤشرات الإيجابية، تبقى التحديات قائمة، ومنها القدرة الشرائية للقراء وتغير عادات الاستهلاك الثقافي، وهي عوامل أثرت في مبيعات بعض الناشرين خلال دورات سابقة.
وعليه، فإن القيمة الإستراتيجية للمعرض قد لا تكمن فقط في عدد العناوين أو المشاركين، بل في قدرته على التحول إلى منصة رقمية متكاملة تشمل:
- بث الفعاليات.
- أرشفة المحتوى.
- تسويق الكتب إلكترونيًا.
- بناء مجتمعات قراءة رقمية.
وهي عناصر تحدد مستقبل المعارض الثقافية عالميًا.
وهكذا، تعكس دورة 2026 من معرض دمشق الدولي للكتاب لحظة انتقالية لصناعة النشر في بيئة ثقافية تعيد تشكيل نفسها.
فالحدث – بمشاركة مئات دور النشر ومئات الآلاف من الزوار – لا يمثل مجرد عودة تقليدية إلى الكتاب الورقي، بل يبرز كمؤشر على دخول تدريجي لعناصر النشر الرقمي والصوتي والذكاء الاصطناعي إلى المشهد الثقافي.
