لم تَعد إدارة الكوارث شأنًا طارئًا يُعالج عند وقوع الأزمات، بل باتت عملية مستمرة تعتمد على البيانات والتحليل والاستشراف، وذلك في ظل تزايد المخاطر الطبيعية والتكنولوجية والبيئية، ومن هذا المنطلق، تتجه المؤسسات الحكومية في سوريَة إلى إعادة بناء أدواتها التخطيطية، وفي مقدمتها سجل المخاطر الوطني، بوصفه قاعدة معرفية أساسية لدعم القرار وتعزيز الجاهزية.
وفي هذا السياق، شهدت العاصمة دمشق في أواخر ديسمبر الماضي حراكًا تنسيقيًا مكثفًا، إذ عقدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية ورشة عمل موسعة تناولت سجل المخاطر وإدارة الكوارث، وشهدت الورشة حضورًا فاعلًا لممثلين عن مختلف الوزارات والمؤسسات الوطنية إلى جانب نخبة من الخبراء
وناقشت الورشة آليات تطوير منظومة رصد المخاطر وتحديث قواعد البيانات الوطنية، بما يواكب التحديات المتسارعة، سواء كانت طبيعية أو تكنولوجية أو بيولوجية أو بيئية.
سجل وطني شامل قائم على البيانات:
تركّزت محاور الورشة على إعداد سجل وطني شامل للمخاطر، ليكون مرجعًا إستراتيجيًا لتحسين التخطيط وإدارة الكوارث، ويشمل ذلك اعتماد نقاط اتصال رسمية في كل جهة قطاعية لتزويد الوزارة ببيانات المخاطر وتحديثها بشكل دوري، إضافة إلى تطوير مؤشرات قياس وفق معايير علمية دقيقة، تغطي المخاطر الهيدرولوجية والجيولوجية والمناخية، إلى جانب المخاطر التكنولوجية والبيولوجية.
جاهزية توازي التحديات:
أوضح معالي رائد الصالح، وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري، خلال أعمال الورشة أن حماية البلاد من الكوارث تتطلب مستوى من الجاهزية لا يقل عن مواجهة التحديات الأمنية، من خلال تحليل المخاطر والحد من آثارها.
وأشار الوزير إلى أن مصفوفة المخاطر الوطنية لم تُحدّث منذ نحو عشرين عامًا، رغم التحولات العميقة التي فرضتها الحرب على مدار 14 سنة والتغيرات المناخية.
وأوضح الصالح أن المخاطر يمكن تصنيفها بين قطاعية وجغرافية، لافتًا إلى أن الوزارة تعمل على بناء منظومة استجابة وطنية بالتعاون مع المجتمعات المحلية.
وبيّن معالي الوزير أن هذه الورشة تمثل الأولى ضمن سلسلة ورش ستُنفّذ بالتعاون مع المحافظات والجهات المحلية في كافة أنحاء سوريَة، بهدف الوصول إلى قائمة دقيقة وواقعية للمخاطر تشكل أساسًا لرؤية وطنية شاملة لإدارة الكوارث.
حوكمة الأدوار ومنع الازدواجية:
بدوره، أشار معاون وزير الطوارئ، الأستاذ أحمد قزيز، إلى أن اعتماد الخطة الوطنية للحد من المخاطر يُعد توجهًا إستراتيجيًا معمولًا به في الدول المتقدمة، موضحًا أن جوهر هذه الخطة يقوم على حوكمة إدارة المخاطر وتوضيح الأدوار والمسؤوليات بين الوزارات والمؤسسات في سوريَة، بما يعزز التنسيق ويمنع الازدواجية في الجهود والموارد.
وأكد قزيز أهمية وجود آليات دقيقة للتنسيق بين الجهات الحكومية، بما يضمن سرعة وفعالية القرار عند وقوع الكوارث، كما لفت إلى أن الألغام ومخلفات الحرب، إلى جانب التغيرات المناخية، تشكل من أبرز التحديات المتكررة، ما يستدعي إدماجها بشكل منهجي في سجل المخاطر الوطني.
ولفت قريز كذلك إلى تعاون الوزارة مع وزارة الشؤون الاجتماعية لإدماج الحماية الاجتماعية ضمن خطة إدارة المخاطر، من خلال تصنيف الفئات السكانية الأكثر هشاشة، بما يعزز العدالة في الاستجابة ويحسّن حماية المجتمع.
سجل المخاطر كمنصة عمل استباقي:
وفي عرض تقني، أوضح مدير إدارة تخطيط المخاطر والمرونة المجتمعية في الوزارة، الأستاذ محمد علي محمد، أن سجل المخاطر لا يقتصر على كونه تقريرًا توثيقيًا، بل يُعدّ أداة لإدارة بيانات المخاطر، تتيح الربط بين مختلف أنواعها ضمن أطر واضحة، وتحديد الجهات المالكة لكل خطر، وآليات التنسيق والتواصل المستمر.
وبيّن أن السجل يوفّر معطيات محدثة تساعد في ترتيب أولويات التدخل واتخاذ القرارات في وقت قصير، كما يعزز العمل الاستباقي عبر تصنيف المخاطر وفق التأثير والاحتمالية ودرجة التعرض.
ودعا إلى ربط بيانات السجل بالمنصة الوطنية، وتطوير واجهات برمجية (APIs) لتبادل المعلومات وضمان جودتها، بما يعزز التعاون بين المؤسسات الوطنية والدولية.
توصيات قائمة على التقنيات الحديثة:
وخلص المشاركون إلى مجموعة توصيات، أبرزها تحديث مؤشرات المخاطر بحسب القطاعات، واعتماد أدوات قياس حديثة تشمل بيانات محطات الرصد، وصور الأقمار الصناعية، والنماذج العلمية، إلى جانب التقارير الميدانية، كما دعوا إلى وضع جدول زمني واضح للتحديث الدوري، وتحديد الجهات المسؤولة عن التحقق والتحليل.
وشددت التوصيات على أهمية تقييم قدرات الجهات المختلفة على توفير البيانات، ووضع آليات عملية لمراقبة جودتها، وتجاوز العوائق التي تعيق تبادل المعلومات، بما يعزز التكامل بين إدارة الكوارث والتخطيط العمراني.
وتندرج أعمال مثل تلك الورشات ضمن جهود وطنية أوسع لتعزيز الجاهزية، وحوكمة الاستثمار في الحد من المخاطر، بما يدعم إعادة البناء بشكل أفضل، ويعزز قدرة المجتمع على مواجهة الكوارث والتحديات المستقبلية في بيئة تتزايد فيها الحاجة إلى الحلول الرقمية والبيانات الموثوقة.
