ليس من السهل أن تقرأ في كتاب نقدي وتبتسم ثم تكتشف لاحقًا أن تلك الابتسامة لم تكن بريئة تمامًا، بل كانت بوابة لفكرة موجعة، أو سؤال مؤجل، أو خلل اعتدنا عليه حتى صار جزءًا من المشهد. هذا تمامًا ما حدث لي وأنا أقرأ كتاب حكايات ناقد ساخر لمؤلفته للأستاذة ناديا كعوش؛ كتاب صغير في حجمه، لكنه ذكي في بنائه، حاد في رؤيته، ومراوغ في طريقته.

الكتاب يتكوّن من ثلاثين حكاية قصيرة جدًا، تدور كلها حول ناقد أو مجموعة من النقاد، ليس بوصفهم سلطة معرفية متعالية، إنما بوصفهم شخصيات تتحرك داخل المشهد الثقافي اليومي: في المقهى وفي قاعة الجامعة وفي الباص وفي صالون الحلاقة وفي حفلات التوقيع وفي معارض الكتب. نحن هنا أمام كوميديا موقف خالصة، حيث تتولد السخرية من الاحتكاك المباشر بين الفكرة والواقع وبين النظرية وسوء استخدامها وبين النقد بوصفه فعلا فكريا والنقد بوصفه سلوكا اجتماعيا مرتبكا.

منذ الحكاية الأولى “في المقهى”، يدرك القارئ أن هذا الكتاب لا يسعى إلى تعليم أو شرح أسس النقد الأدبي أو المناهج النقدية مثل البنيوية والتفكيكية والنسوية وغيرها من المصطلحات التي قد تتكرر في النصوص، فهي لا تظهر هنا بوصفها دروسا نظرية، إنما أدوات جاهزة تُستعمل في النقاشات اليومية أحيانا في غير محلها وأحيانًا لمجرد الاستعراض الثقافي، هذا الأمر في حقيقته مرآة ساخرة لواقع نعيشه؛ واقع تتحول فيه النظريات إلى شعارات، والمفاهيم إلى زينة لغوية.

في “قاعة شكسبير” نرى كيف يتحول النص الكلاسيكي إلى ساحة اختبار للمنطق المتعثر، وكيف يُستدعى شكسبير كشماعة يُعلّق عليها النقاش، وفي “في الباص”، ينتقل النقد من المنصة إلى المقاعد الخلفية، حيث يتحاور الناقد مع شخص عادي، لتتكشف فجوة كبيرة بين لغة النقد ولغة الحياة. هنا، لا يسخر النص من القارئ بل من الناقد نفسه حين يعجز عن تبسيط فكرته.

اللافت في الكتاب أنه لا يهاجم طرفًا واحدًا؛ الكاتب المغرور حاضر، والقارئ الذي يريد أن يكون ناقدًا بين ليلة وضحاها حاضر، والناقد الذي يتحول إلى حارس بوابة ثقافية حاضر أيضًا. في “المسودة الكارثية” نضحك، لكننا نعرف أن الضحك يخفي مأساة نصوص تُنشر قبل أن تنضج، ونقد يُمارس بدافع المجاملة أو العلاقات، وفي”حفل توقيع كتاب” تتجسد كوميديا التلميع، حيث يتحول الحدث الثقافي إلى عرض اجتماعي، ويغيب السؤال الحقيقي: ماذا عن النص؟

أما “الجائزة الكبرى” فهي واحدة من أكثر الحكايات دلالة، لأنها تضع الإصبع على جرح حساس، علاقة الجوائز بالقيمة الأدبية، السخرية هنا ليست قاسية لكنها ذكية، تكتفي بعرض المشهد وتترك القارئ يستنتج حجم المفارقة. وفي حكاية “الناقد مريض” نرى هشاشة الناقد نفسه، حين ينهار الإنسان خلف الدور في تذكير جميل بأن النقد ليس فعلًا معصومًا.

الكتاب أيضًا لا يغفل عن النقد المعاصر ووسائطه الجديدة. في “الناقد على الشاشة” نواجه نموذج الناقد الذي تحوّل إلى شخصية إعلامية، حيث تختصر الفكرة في دقائق، وتُختزل القراءة في رأي سريع. السخرية هنا تكشف خطر السرعة، لا بوصفها تقنية بل بوصفها بديلًا عن التفكير.

ما يميّز هذا العمل حقًا هو أن هدفه إصلاحي لا فضائحي. السخرية ليست شماتة بل محاولة لتعديل زاوية النظر، النصوص لا تقول للقارئ هذا خطأ بل تجعله يرى الخطأ ويضحك عليه، وربما يعيد التفكير فيه وهذا أصعب بكثير من الوعظ المباشر.

من الناحية الفنية، يعتمد الكتاب على عناصر السرد: شخصيات، حوارات، زمان ومكان واضحين. كل حكاية هي مشهد مكتمل، له بداية ونهاية، حتى وإن كان مكثفًا. هذا البناء السردي يمنح النقد جسدًا، ويمنح الفكرة حياة، ويجعل القارئ شريكًا لا متلقيًا سلبيًا.

في النهاية، يمكن القول إن “حكايات ناقد ساخر” ليس كتابًا عن النقد بقدر ما هو كتاب عن ممارستنا للنقد. هو عمل يضحكك، نعم، لكنه لا يتركك دون أثر، يذكّرك بأن المشهد الثقافي ليس معصومًا، وأن الإصلاح قد يبدأ من ضحكة صادقة، ومن اعتراف ضمني بأننا جميعًا، قرّاء وكتّاب ونقاد، جزء من هذه الكوميديا الكبيرة.

هذا كتاب لا يدّعي إنقاذ الثقافة، لكنه يملك شجاعة أن يشير إلى مواطن الضعف فيها، بخفة ظل ووعي واحترام لعقل القارئ، وهذا في زمن الضجيج الثقافي، إنجاز بحد ذاته.

غازي سلطان

قارىء مهتم بقضايا الفكر والأدب

شاركها.